بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في عالم الفيزياء، تعد تجربة “قطة شرودنغر” واحدة من أكثر الأفكار جدلاً وإثارةً للحيرة. هذه التجربة الفكرية، التي قدمها الفيزيائي النمساوي إرفين شرودنغر عام 1935، تهدف إلى تسليط الضوء على الطبيعة الغريبة لميكانيكا الكم، حيث يمكن للجسيمات أن تكون في حالتين متناقضتين في آنٍ واحد حتى يتم رصدها. لكن هل يمكن لهذه الفكرة أن تجد طريقها إلى الاقتصاد؟
تخيل أننا نضع قطة داخل صندوق مغلق مع جهاز يحتوي على مادة مشعة، مرتبط بآلية تحرر سماً قاتلاً إذا انحل الذرّة المشعة. وفقاً لميكانيكا الكم، فإن الذرّة تكون في حالتين: إما أن تتحلل أو لا تتحلل، وبما أن مصير القطة مرتبط بهذه الذرّة، فإنها ستكون حية وميتة في نفس الوقت إلى أن نقوم بفتح الصندوق والتحقق من حالتها. هذه الفكرة، رغم أنها تبدو بعيدة عن الواقع، إلا أنها تجد انعكاساً مذهلاً في عالم الاقتصاد، حيث يمكن اعتبار الأسواق والشركات والاستثمارات في حالات عدم يقين مشابهة لحالة القطة المغلقة في الصندوق.
عند تقييم سهم معين، يمكن اعتباره مربحًا وخاسرًا في الوقت نفسه، بناءً على المعلومات المتاحة للمستثمرين. القرار الفعلي بشأن شرائه أو بيعه لا يتحدد إلا عند “فتح الصندوق” أي عند اتخاذ القرار بناءً على تحليل السوق. كما أن الشركات الناشئة غالبًا ما تكون في حالة غير مؤكدة، حيث يمكن اعتبارها ناجحة أو فاشلة في نفس الوقت، حتى يتم تنفيذ استراتيجيات معينة أو تحقيق الأرباح الفعلية.
إذا تأملنا في نظرية الأسواق الفعالة (Efficient Market Hypothesis – EMH) التي طرحها عالم الاقتصاد يوجين فاما، نجد أنها تتلاقى مع فكرة قطة شرودنغر من زاوية أخرى. تنص هذه النظرية على أن أسعار الأصول المالية تعكس جميع المعلومات المتاحة في السوق، مما يجعل من المستحيل تحقيق أرباح غير عادية من خلال التحليل التقليدي. بمعنى آخر، السوق دائمًا في “حالة كمومية” حيث تكون كل السيناريوهات المحتملة للأسعار موجودة، لكن السعر الفعلي لا يتحدد إلا عندما يتم إجراء صفقة فعلية، أي عندما يتم “فتح الصندوق”.
بعض صناديق التحوط تستخدم ما يعرف بـ “الاستثمار الكمي”، حيث تعتمد على النماذج الرياضية التي تحلل الأسواق وكأنها أنظمة كمومية. في هذه الحالة، لا يتم اتخاذ القرار بناءً على وضعية يقينية، بل على احتمالات متعددة، تمامًا كما يحدث مع الجسيمات دون الذرية.
الاقتصاد، مثل ميكانيكا الكم، مليء بعدم اليقين. يمكن لظاهرة “قطة شرودنغر” أن تساعدنا على فهم كيف يمكن أن تكون الأسواق، والاستثمارات، وحتى الشركات في حالات متناقضة في نفس الوقت، حتى يتم اتخاذ قرارات حاسمة تحسم مصيرها. في النهاية، يبدو أن العالم المالي ليس بعيدًا عن عالم الجسيمات الدقيقة، فكما أن القطة تبقى في حالة غير مؤكدة حتى نفتح الصندوق، كذلك تبقى الأسواق والاستثمارات في حالة غموض حتى يتخذ المستثمرون قراراتهم، مما يؤكد أن الفيزياء والاقتصاد يتقاطعان أكثر مما نظن.