بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
يعد الحق في الإضراب من الحقوق الدستورية الأساسية التي كفلتها مختلف الدساتير المغربية، إلا أن تنظيم هذا الحق ظل مطلبًا ملحًا لضمان ممارسة متوازنة تراعي حقوق الأجراء، وتحفظ استمرارية المرافق الحيوية، وتحمي المصالح الاقتصادية. وفي هذا السياق، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 251-25 بشأن القانون التنظيمي رقم 97.15، الذي يحدد شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق، وذلك بعد إحالته عليها للتأكد من مطابقته لأحكام الدستور.
أتى هذا القرار في ظل نقاش مجتمعي وقانوني واسع حول كيفية موازنة حق الإضراب مع استقرار المؤسسات والمقاولات، وضمان تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. ومن خلال دراستها لمواد القانون، استندت المحكمة إلى أحكام الدستور التي تنظم الحقوق والحريات، وتؤكد دور المنظمات النقابية في الدفاع عن مصالح الأجراء، مع مراعاة المبادئ العامة لاستمرارية المرافق العامة وضمان الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
أكدت المحكمة أن هذا القانون التنظيمي لا يتعارض مع أحكام الدستور، مع بعض الملاحظات التي تخص مواد معينة. فقد شددت على أن الإضراب يظل حقًا مكفولًا، لكن ممارسته يجب أن تكون وفق إجراءات قانونية مضبوطة تشمل التصريح المسبق، وتحديد الجهات المخولة بالدعوة إليه، والتزام آجال الإشعار، وضمان حد أدنى من الخدمة في بعض القطاعات الحيوية. كما أيدت المحكمة التدابير المتعلقة بحماية حرية العمل ومنع الإضرابات العشوائية التي قد تضر بالمصلحة العامة.
ومن النقاط التي أثارت اهتمامًا خاصًا، الصلاحيات الممنوحة لرئيس الحكومة في حالات الأزمات والكوارث، حيث اعتبرت المحكمة أن إمكانية تعليق الإضراب بصفة استثنائية، وفق شروط محددة، تتماشى مع متطلبات حماية النظام العام وحقوق المواطنين الأساسية. كما أكدت أن فرض حد أدنى من الخدمة في بعض المرافق يتوافق مع الدستور، بالنظر إلى أهمية ضمان استمرارية الخدمات الأساسية مثل الصحة والنقل والأمن.
إن هذا القرار يمثل محطة مفصلية في مسار تنظيم حق الإضراب في المغرب، حيث يسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة بين الحقوق الاجتماعية للأجراء، وضمان استقرار المؤسسات، وحماية المصلحة العامة. ومع دخول هذا القانون حيز التنفيذ، سيكون من الضروري متابعة تطبيقه على أرض الواقع، ومدى تأثيره على العلاقة بين المشغلين والأجراء، وكذا على مناخ الاستثمار والاستقرار الاجتماعي في البلاد.