مجتمع

رجل السلطة بين الضبط الإداري والشرطة القضائية في مجال التعمير والبناء: قراءة قانونية في ضوء القانون رقم 66.12

عثمان منجي الدين · 31‏/3‏/2026

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

تشهد المنظومة العمرانية بالمغرب تحولات عميقة في ظل تزايد التوسع الحضري، وتنامي ظاهرة البناء غير القانوني، وهو ما فرض على المشرع إعادة النظر في آليات الضبط والمراقبة، عبر إقرار القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء. وفي هذا السياق، يبرز دور رجل السلطة كفاعل محوري يتقاطع فيه البعد الإداري مع البعد الزجري، حيث لم يعد مجرد ممثل للإدارة الترابية، بل أصبح فاعلاً في منظومة الشرطة القضائية، بما يثير إشكالات قانونية دقيقة تتعلق بمدى مشروعية تدخلاته وحدود اختصاصاته.

إن القراءة القانونية لمقتضيات القانون 66.12 تكشف أن المشرع المغربي تبنى مقاربة مزدوجة قائمة على توسيع دائرة المتدخلين في مراقبة المخالفات العمرانية، ومنحهم صلاحيات ذات طبيعة شبه قضائية، حيث خول لرجال السلطة المحلية، إلى جانب ضباط الشرطة القضائية، صلاحية معاينة المخالفات وتحرير محاضر بشأنها. هذا التوجه يعكس تأثراً واضحاً بنظرية “الضبط المختلط” التي تمزج بين الضبط الإداري والضبط القضائي، في إطار تحقيق النجاعة والسرعة في التصدي للمخالفات.

غير أن هذا الامتداد في الاختصاص يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمبدأ الشرعية، باعتباره حجر الزاوية في القانون الجنائي، والذي يقتضي أن تكون جميع الإجراءات الزجرية محددة بدقة من حيث الجهات المختصة وشروط الممارسة. فإسناد مهام ذات طابع قضائي لرجال السلطة، الذين يخضعون في الأصل للسلطة الإدارية، يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ فصل السلط، خاصة وأن المحاضر التي يحررونها تكتسي حجية قانونية أمام القضاء.

ومن زاوية التحليل القانوني، فإن تدخل رجل السلطة في مجال الشرطة القضائية في التعمير يجد أساسه في نصوص صريحة تخوله صفة “المعاينة”، دون أن يرتقي إلى صفة ضابط الشرطة القضائية بالمفهوم الضيق المنصوص عليه في قانون المسطرة الجنائية. وهو ما يعني أن دوره يظل محصوراً في رصد المخالفة وتحرير محضر بشأنها، دون ممارسة صلاحيات البحث التمهيدي أو التحقيق، التي تبقى من اختصاص الجهات القضائية المختصة. غير أن الإشكال العملي يكمن في تداخل هذه المهام على أرض الواقع، حيث قد يتجاوز التدخل حدود المعاينة إلى اتخاذ إجراءات تمس بحقوق الأفراد، كإيقاف الأشغال أو حجز المعدات.

وفي إطار المدرسة القانونية الوضعية، يمكن تفسير هذا التوسع في صلاحيات رجل السلطة بكونه استجابة لحاجيات الواقع العملي، حيث إن سرعة انتشار البناء العشوائي تفرض تدخلاً فورياً لا يحتمل تعقيدات المساطر القضائية. غير أن المدرسة الحقوقية تنتقد هذا التوجه، معتبرة أنه قد يؤدي إلى تغول السلطة الإدارية على حساب الضمانات القانونية للأفراد، خاصة في غياب رقابة فعالة وفورية على أعمال رجال السلطة.

أما من منظور اقتصادي، فإن تشديد المراقبة في مجال التعمير يندرج ضمن نظرية “الاقتصاد النظامي”، التي ترى أن احترام القواعد القانونية في البناء يساهم في خلق بيئة استثمارية مستقرة، ويحد من التكاليف غير المباشرة الناتجة عن الفوضى العمرانية. فالبناء غير القانوني لا يقتصر أثره على الجانب الجمالي أو التنظيمي، بل يمتد إلى التأثير على البنية التحتية، وقيمة العقار، وتوازن السوق العقارية.

وفي البعد الاجتماعي، فإن تدخل رجل السلطة في هذا المجال يعكس دور الدولة في حماية النظام العام العمراني، الذي يشكل جزءاً من النظام العام بمفهومه الواسع، حيث تتقاطع فيه اعتبارات السلامة العامة، والصحة، والبيئة. غير أن فعالية هذا التدخل تظل رهينة بمدى احترامه لمبدأ الثقة المشروعة، بحيث يجب أن يتم في إطار من الشفافية والحياد، بعيداً عن أي ممارسات تعسفية قد تقوض علاقة المواطن بالإدارة.

إن الاجتهاد القضائي المغربي بدأ يتجه نحو تكريس رقابة دقيقة على محاضر المخالفات في مجال التعمير، من خلال التأكيد على ضرورة احترام الشكليات الجوهرية، وضمان حقوق الدفاع، وهو ما يعكس توازناً دقيقاً بين متطلبات الزجر وضمانات المحاكمة العادلة. كما أن القضاء الإداري يضطلع بدور أساسي في مراقبة مشروعية قرارات رجال السلطة، خاصة تلك المتعلقة بإيقاف الأشغال أو الهدم.

وخلاصة القول، فإن القانون رقم 66.12 شكل نقلة نوعية في تدبير المخالفات العمرانية، من خلال توسيع دائرة المتدخلين وتعزيز الطابع الزجري، غير أن نجاح هذا الإطار القانوني يظل رهيناً بتحقيق التوازن بين فعالية التدخل الإداري وضمانات الشرعية القانونية. فدور رجل السلطة، وإن كان ضرورياً في محاربة البناء غير القانوني، يجب أن يمارس في حدود واضحة، تحت رقابة قضائية صارمة، بما يكرس دولة القانون ويحمي الحقوق والحريات في آن واحد.