بقلم: الأستاذ مولاي عبد الله اسليماني
في ظل التحديات الاقتصادية المتسارعة وتقلبات سوق العمل العالمية، يواصل المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، نهج سياسة تنموية شاملة تضع المواطن في صلب التحولات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، تشكل الاستراتيجية الوطنية للتشغيل 2025 علامة فارقة في مسار بناء منظومة وطنية عادلة ومستدامة في مجال التوظيف.
تمثل هذه الاستراتيجية خارطة طريق وطنية متكاملة، تهدف إلى تجويد فرص الشغل، وتحقيق الإدماج المهني والاجتماعي للفئات الهشة، والتصدي لمكامن القصور في السياسات السابقة. فقد أبانت برامج مثل “مقولتي” و”انطلاقة”، رغم طموحها المبدئي، عن محدودية في الأثر نتيجة ضعف المواكبة وصعوبة ولوج التمويل، مما دفع الدولة إلى استدراك ذلك عبر مقاربة أكثر شمولية واستهدافاً.
ترتكز خارطة الطريق الجديدة على ثلاث دعامات رئيسية:
أولاً، دعم الاستثمار المنتج وخلق مناصب شغل ذات جودة من خلال تعبئة 12 مليار درهم، مع تفعيل مقتضيات ميثاق الاستثمار الجديد وتحفيز المقاولات الصغرى والمتوسطة، في أفق خلق ما يفوق 1.45 مليون منصب شغل في أفق سنة 2026.
ثانياً، توجيه مليار درهم نحو إنعاش الشغل بالعالم القروي، عبر دعم الأنشطة المدرة للدخل وتعزيز الاقتصاد التضامني، بهدف ليس فقط خلق فرص جديدة، بل أيضاً تقليص وتيرة فقدان مناصب الشغل في القطاع الفلاحي الذي سجل انخفاضاً بـ 190 ألف منصب سنة 2023 حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، نتيجة الجفاف والتغيرات المناخية.
ثالثاً، تطوير برامج التأهيل والإدماج المهني لفائدة الفئات الأكثر هشاشة، مع تخصيص مليار درهم لتكوين وتأطير الشباب غير الحاصلين على شهادات، والنساء في وضعية هشاشة، والأشخاص في وضعية إعاقة، ضمن مقاربة مندمجة ترتكز على التكوين، والمواكبة، والإدماج الفعلي.
وتعزز هذه الرؤية بحكامة صارمة تقوم على ثلاث مستويات: لجنة وزارية للتشغيل برئاسة رئيس الحكومة، لجنة تقنية للتتبع والتنسيق، ولجنة لمراقبة وتتبع سوق الشغل، تضمن تكامل وتناسق تدخلات القطاعات العمومية المعنية، وتعزز التنسيق بين الدولة والجهات والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
أبرز مستجدات 2025 تكمن في تعميم المقاربة الجهوية في تنزيل برامج التشغيل، عبر تحفيز الجهات على وضع استراتيجيات تشغيل ترابية منسجمة مع خصوصياتها. كما يرتقب خفض معدل البطالة إلى أقل من 9% بعد أن بلغ 13% سنة 2023، وخصوصاً في أوساط الشباب (32.7%) والنساء الحضريات (19.8%).
ويشكل تعزيز الإدماج الاجتماعي والمهني للفئات الهشة أولوية استراتيجية، إذ ستُمكن الاستراتيجية من دمج أكثر من 212 ألف شاب غير متمدرس أو غير مؤهل، ضمن دينامية مجالية شاملة، تُراعي العدالة الاجتماعية والمجالية، وتعيد الاعتبار للعنصر البشري كقوة دافعة للنمو الاقتصادي.
هكذا، وبفضل هذه الرؤية الطموحة والجريئة، يعيد المغرب التأكيد على التزامه الراسخ بجعل التشغيل رافعة للتنمية الشاملة، ومحوراً أساسياً لترسيخ الكرامة الاجتماعية، وتحقيق التماسك المجتمعي، في أفق إرساء نموذج تنموي منصف ومستدام.