بقلم الاستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في لحظة مفصلية تعكس التحول العميق الذي يعرفه النظام القانوني العالمي تحت تأثير التكنولوجيا، صدر عن Cour supérieure du Québec بتاريخ 22 أبريل 2026 حكم في قضية ARIHQ c. Santé Québec, 2026 QCCS 1360، لم يكن مجرد قرار قضائي عادي، بل شكل محطة فقهية جديدة في علاقة العدالة بالذكاء الاصطناعي، حيث أعاد تعريف حدود استخدام التكنولوجيا داخل عملية اتخاذ القرار التحكيمي والقضائي، دون الوقوع في خطاب الرفض أو التبني المطلق.
هذا الحكم، الثابت في حيثياته والموثق في نصه الرسمي ، يفرض قراءة قانونية دقيقة، لأنه لا يناقش فقط واقعة إجرائية، بل يؤسس لمعيار مستقبلي في شرعية القرار القانوني.
في ظاهر القضية، تقدم الأطراف بطعن يروم إلغاء حكم تحكيمي، وفق القواعد التقليدية المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية في كيبيك، حيث يظل الطعن في التحكيم استثناءً ضيقًا، لا يطال موضوع النزاع، وإنما يقتصر على مراقبة احترام الإجراءات وسلامة المسار التحكيمي. هذا المبدأ أعادت المحكمة تأكيده بوضوح، معتبرة أن التحكيم يندرج ضمن حرية التعاقد، وأن قراراته نهائية في الأصل ولا تُراجع إلا في حالات محددة بدقة .
غير أن القضية لم تبق في هذا الإطار التقليدي، إذ كشفت المعطيات أن الحكم التحكيمي استند إلى مراجع فقهية وقضائية غير موجودة أصلًا، وهو ما شكل نقطة تحول حاسمة في تحليل المحكمة. فالأمر لم يعد مجرد خطأ في التقدير القانوني، بل أصبح يمس جوهر العملية التحكيمية، لأن التسبيب ليس عنصرًا شكليًا، بل هو التعبير العملي عن استقلالية المُحكَّم وخبرته.
انطلاقًا من ذلك، اعتبرت المحكمة أن الاستناد إلى مصادر وهمية يشكل إخلالًا جوهريًا بالإجراءات التحكيمية، لأن القرار لم يعد يعكس تفكيرًا قانونيًا يمكن تتبعه أو مراقبته، وهو ما يمس بحقوق الأطراف في فهم منطق الحكم ومناقشته. هذا التحليل يجد أساسه في مبدأ إجرائي راسخ مفاده أن من يصدر القرار يجب أن يكون هو نفسه من قام بعملية التفكير والتقدير، وهو ما يتقاطع مع قاعدة عدم جواز تفويض السلطة القضائية (delegatus non potest delegare) كما أكدت المحكمة .
المحكمة لم تذهب إلى تحريم استخدام الذكاء الاصطناعي، بل قدمت مقاربة أكثر دقة وعمقًا، مفادها أن الإشكال لا يكمن في الأداة، بل في فقدان السيطرة عليها. فاستعمال الذكاء الاصطناعي كوسيلة مساعدة في البحث أو التنظيم يظل مقبولًا، لكن تحوله إلى مصدر فعلي لصناعة القرار أو التسبيب يمثل خرقًا لمبدأ استقلالية المُحكَّم، ويهدد سلامة العملية القضائية.
وقد عززت المحكمة هذا التوجه من خلال تحليل المخاطر البنيوية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، ومن أبرزها ظاهرة “الهلوسة القانونية”، حيث يمكن للنماذج اللغوية إنتاج مراجع تبدو صحيحة لكنها غير موجودة، وهو ما يشكل خطرًا مباشرًا على العدالة، لأن القرار قد يُبنى على قانون غير موجود أصلًا. كما أشارت المحكمة إلى محدودية الذكاء الاصطناعي في استيعاب القيم الإنسانية والسياق الاجتماعي، وهو عنصر جوهري في القرارات القضائية التي تتطلب تقديرًا إنسانيًا يتجاوز المعالجة الآلية للمعطيات.
ولم تغفل المحكمة جانب السرية، إذ أكدت أن إدخال معطيات النزاع في أنظمة خارجية قد يشكل خرقًا لواجب السر المهني وسرية المداولات، وهو ما يمس أحد الأعمدة الأساسية للعدالة. كما نبهت إلى خطر التحيز المرتبط بالبيانات التي تُدرَّب عليها الأنظمة، وإلى ما يسمى بـ“الصندوق الأسود” الذي يجعل منطق القرار غير قابل للفهم أو التفسير .
في هذا السياق، شددت المحكمة على أن المسؤولية المهنية تبقى غير قابلة للتفويض، سواء بالنسبة للمحكم أو القاضي أو المحامي، وأن أي استعمال للذكاء الاصطناعي يجب أن يخضع لرقابة بشرية صارمة تضمن صحة المعطيات ودقة المراجع. وقد دعمت هذا التوجه بمواقف قضائية حديثة في كندا والولايات المتحدة، اعتبرت تقديم مراجع قانونية وهمية إخلالًا جسيمًا يمس نزاهة العملية القضائية.
إن القيمة الحقيقية لهذا الحكم لا تكمن فقط في إلغائه للقرار التحكيمي، بل في إرسائه لخط فاصل دقيق بين الاستخدام المشروع للتكنولوجيا والاستخدام الذي يمس بشرعية القرار القانوني. فهو لا يعادي الذكاء الاصطناعي، لكنه يرفض أن يتحول إلى بديل عن العقل القانوني، ويعيد التأكيد على أن العدالة ليست مجرد نتيجة، بل هي مسار فكري وإنساني قائم على التعليل والتبرير.
وفي ظل التسارع الكبير لتقنيات LegalTech، يوجه هذا الحكم رسالة واضحة للممارسين في الحقل القانوني: إن التحقق من المصادر ليس خيارًا، وإن التسبيب ليس مجرد صياغة، بل هو جوهر العدالة، وإن الثقة في القضاء لا يمكن أن تقوم إلا على قرارات يمكن فهمها وتتبع منطقها.
وبذلك، يمكن القول إن هذا القرار لا يمثل مجرد سابقة قضائية في مجال التحكيم، بل يشكل بداية لمرحلة جديدة في التنظيم القانوني لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تقوم على مبدأ التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية إنسانية القرار القضائي، وهو توازن سيحدد مستقبل العدالة في العصر الرقمي.