بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، لم تعد إشكالية أسعار الخضر والفواكه مجرد مسألة موسمية أو ظرفية، بل أصبحت مؤشراً حقيقياً على اختلالات عميقة في بنية السوق وسلاسل التوزيع. فالمفارقة التي يعيشها المواطن المغربي اليوم تتمثل في اتساع الفجوة بين ثمن البيع عند الفلاح وثمن الشراء عند المستهلك، وهي فجوة لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل طبيعية أو لوجستية، بل تعكس بنية اقتصادية غير متوازنة تتداخل فيها المصالح، وتغيب عنها الشفافية في كثير من الأحيان.
من منظور اقتصادي، تشكّل الوساطة حلقة طبيعية في أي نظام سوقي، حيث تلعب دور الربط بين العرض والطلب وتيسير انسيابية السلع. غير أن الإشكال في السياق المغربي لا يكمن في وجود الوسيط في حد ذاته، بل في تضخم عدد الوسطاء وغياب التنظيم الفعّال لمسارات التوزيع. فكلما تعددت الحلقات، تضاعفت الهوامش الربحية بشكل تراكمي، مما يؤدي إلى تضخم غير مبرر في الأسعار النهائية. وهنا تتحول الوساطة من أداة لتحسين الكفاءة إلى مصدر لخلق الريع، وهو ما يتعارض مع مبادئ اقتصاد السوق التنافسي كما نظّرت له المدرسة الكلاسيكية الجديدة، التي تربط الكفاءة بوضوح الأسعار وشفافية المعلومات.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن هذه الاختلالات تؤدي إلى إضعاف القدرة الشرائية للأسر، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. فالخضر والفواكه، التي تُعتبر من المواد الأساسية في النظام الغذائي، أصبحت تشكّل عبئاً متزايداً على ميزانية المواطن. وفي المقابل، يبقى الفلاح، وهو المنتج الحقيقي للقيمة، الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، حيث يُجبر في كثير من الأحيان على بيع منتوجه بأثمان منخفضة بسبب غياب وسائل التخزين والتبريد والنقل، وضعف ولوجه المباشر للأسواق الكبرى. هذا التفاوت يعكس خللاً في العدالة التوزيعية، حيث لا يستفيد المنتج ولا المستهلك، بينما تتراكم الأرباح في حلقات وسيطة غير منتجة.
قانونياً، تطرح هذه الوضعية إشكالية الحكامة الاقتصادية، ومدى تفعيل قواعد المنافسة الشريفة ومحاربة الممارسات الاحتكارية. فالقانون المغربي، من خلال تشريعاته المرتبطة بحرية الأسعار والمنافسة، يهدف إلى ضمان شفافية المعاملات ومنع كل أشكال التلاعب أو الاتفاقات غير المشروعة. غير أن التطبيق العملي يكشف عن محدودية المراقبة في بعض الأسواق، خاصة أسواق الجملة، التي ما زالت تشتغل في إطار تقليدي يفتقر إلى الرقمنة والتتبع الدقيق لمسار السلع والأسعار. وهو ما يفتح المجال أمام ممارسات مضاربية تضر بمصلحة الاقتصاد الوطني.
إن الإصلاح الحقيقي لهذا القطاع لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مقاربة شمولية تدمج البعد الاقتصادي بالتنظيمي والاجتماعي. فإعادة هيكلة أسواق الجملة، واعتماد أنظمة رقمية لتتبع الأسعار، وتشجيع البيع المباشر بين الفلاح والمستهلك، كلها آليات كفيلة بإعادة التوازن إلى السوق. كما أن دعم التعاونيات الفلاحية وتمكينها من وسائل التخزين والتسويق سيساهم في تقليص الاعتماد على الوسطاء، وتعزيز القيمة المضافة داخل القطاع الفلاحي نفسه.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الدولة كمُنظّم وضامن للتوازنات، ليس فقط من خلال التشريع، بل أيضاً عبر التتبع الصارم وتفعيل آليات الزجر في مواجهة المضاربات غير المشروعة. فالسوق لا يمكن أن يشتغل بكفاءة في غياب قواعد واضحة ومراقبة فعالة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواد حيوية تمس الأمن الغذائي للمواطن.
إن التحدي اليوم لا يكمن في القضاء على الوساطة، بل في تقنينها وإعادة توجيهها لتخدم الاقتصاد بدل أن تثقل كاهله. فحين يصبح الطريق بين الحقل والمائدة أقصر وأكثر شفافية، يمكن حينها الحديث عن سوق عادل يحقق التوازن بين مصلحة الفلاح وكرامة المستهلك، ويعكس في العمق نموذجاً تنموياً أكثر عدالة واستدامة.