مال وأعمال

برنامج “انطلاقة” بين التحديات والفرص: قراءة في أسباب الإخفاق وسبل التطوير

عثمان منجي الدين · 30‏/3‏/2025

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله – محاسب معتمد وخبير في المنازعات

شهد الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة إطلاق العديد من المبادرات الرامية إلى دعم ريادة الأعمال، ومن بينها برنامج “انطلاقة”، الذي كان يهدف إلى تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة وتشجيع الشباب على الاستثمار. ورغم الزخم الذي رافق الإعلان عن البرنامج، إلا أنه لم يحقق النتائج المرجوة، مما دفع الفاعلين الاقتصاديين إلى المطالبة بإعادة تقييمه وإطلاق نسخة جديدة أكثر فاعلية.
عوامل الإخفاق في برنامج “انطلاقة”
1. غياب المواكبة والتوجيه:
كان من المفترض أن يحظى المستفيدون بمواكبة مستمرة، خاصة خلال أول 24 شهرًا، وهي الفترة الحرجة التي تحدد نجاح أو فشل المشروع. غير أن العديد من المقاولين وجدوا أنفسهم يواجهون تعقيدات إدارية ومالية دون أي دعم فعلي من الجهات المعنية.
2. ضعف التأهيل وعدم التخصص:
لاحظت المؤسسات المانحة للتمويل أن عدداً كبيراً من المستفيدين لا يمتلكون الخبرة الكافية في القطاعات التي يودون الاستثمار فيها، مما جعل مشاريعهم غير قابلة للاستمرار. وكان من الضروري فرض برامج تكوينية ملزمة لضمان حد أدنى من الكفاءة قبل منح التمويلات.
3. تعقيدات في التمويل:
رغم أن الأبناك التزمت بتقديم قروض بشروط ميسرة، إلا أن بعض المستفيدين واجهوا مشاكل في الحصول على المبالغ بشكل كامل، حيث كان يتم صرفها على دفعات، مما أدى إلى عرقلة التنفيذ الفعلي للمشاريع.
4. غياب الابتكار في المشاريع:
اعتمد العديد من المقاولين على أفكار نمطية غير مبتكرة، ما جعل الأبناك تتردد في تمويلها بسبب ضعف جدواها الاقتصادية، وهو ما يفسر عدم نجاح عدد كبير من المشاريع الممولة.
سبل تطوير البرنامج وتحقيق أهدافه
1. تعزيز آليات المواكبة:
يجب وضع إطار متكامل لمواكبة المقاولين الجدد، عبر توفير مراكز استشارة ومتابعة تقدم المشاريع بصفة دورية، مع إشراك خبراء في ريادة الأعمال.
2. فرض التكوين قبل منح التمويل:
لا يمكن لأي مقاول أن ينجح دون معرفة دقيقة بالمجال الذي ينشط فيه. لذا، يجب فرض تكوينات إلزامية حول الإدارة المالية، والتسويق، وتدبير المخاطر، لضمان مستوى أدنى من الكفاءة لدى المستفيدين.
3. تسهيل صرف التمويلات:
من الضروري مراجعة طريقة صرف القروض لضمان منحها دفعة واحدة أو وفق جدول زمني يتماشى مع حاجيات المشروع، لتجنب تعثره في بداياته.
4. دعم الابتكار وريادة الأعمال:
ينبغي تشجيع المشاريع التي تتميز بالأفكار الجديدة والقيمة المضافة العالية، عبر تخصيص منح تحفيزية للمقاولين الذين يقدمون حلولاً مبتكرة لمشاكل اقتصادية واجتماعية.
نحو نسخة جديدة أكثر نجاعة
إن إصلاح برنامج “انطلاقة” لا يعني إلغاؤه، بل يستدعي مراجعة شاملة لمختلف جوانبه من أجل ضمان تحقيق الأهداف المرجوة. فبدون توفير الدعم الكافي، والتوجيه الصحيح، وظروف التمويل المناسبة، سيظل البرنامج مجرد مبادرة غير مكتملة، لا تحقق الطموحات التي يسعى إليها الاقتصاد الوطني.
إن ريادة الأعمال هي أحد المحركات الأساسية للتنمية، ولكنها تحتاج إلى بيئة مناسبة تدعم المقاولين الصغار، وتمكنهم من تحقيق النجاح والاستدامة. فهل تكون النسخة الجديدة من “انطلاقة” قادرة على تجاوز أخطاء الماضي وتحقيق تحول حقيقي في مشهد المقاولات الصغرى بالمغرب؟ هذا ما ننتظره في المستقبل القريب.