حوادث

النفط تحت النار: الكلفة البيئية الخفية للحرب في الشرق الأوسط ومضيق هرمز

عثمان منجي الدين · 22‏/3‏/2026

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد العالمي، يعود الشرق الأوسط ليؤكد مرة أخرى أنه ليس فقط مركزًا للطاقة، بل أيضًا بؤرة للتوترات التي تتجاوز آثارها حدود الدول لتطال البيئة العالمية برمتها. فالحروب التي تشتعل في هذه المنطقة، خاصة تلك المرتبطة بالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، لا تُقاس فقط بخسائرها البشرية أو الاقتصادية المباشرة، بل تحمل في طياتها كلفة بيئية خفية، غالبًا ما يتم تجاهلها في خضم الصراعات.

يمثل مضيق هرمز شريانًا استراتيجيًا يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يجعله نقطة اختناق حيوية في الاقتصاد الدولي. غير أن هذه الأهمية الاقتصادية تقابلها هشاشة بيئية خطيرة؛ فأي اضطراب عسكري في المنطقة يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، من تسربات نفطية واسعة النطاق إلى تدمير البنية التحتية للطاقة، وهو ما يعيد إلى الأذهان كوارث بيئية سابقة مثل حرب الخليج 1991، حين تم تسريب ملايين البراميل من النفط في الخليج العربي، محدثة واحدة من أكبر الكوارث البيئية في التاريخ.

من منظور اقتصادي، فإن تكلفة التلوث الناتج عن الحروب النفطية لا تُحتسب فقط في خسارة الموارد الطبيعية، بل تمتد إلى تدمير النظم البيئية البحرية، وانخفاض الإنتاج السمكي، وتراجع النشاط السياحي، وارتفاع تكاليف المعالجة البيئية. وفق نظرية “التكاليف الخارجية” في الاقتصاد البيئي، فإن هذه الأضرار لا يتحملها الفاعلون المباشرون في الحرب، بل تتحملها المجتمعات المحلية والأجيال القادمة، ما يخلق خللاً في توزيع الأعباء الاقتصادية ويطرح إشكالية العدالة البيئية.

أما من الناحية الاجتماعية، فإن التلوث الناتج عن النزاعات المسلحة يؤدي إلى تفاقم الأزمات الصحية، خاصة في المناطق الساحلية، حيث ترتفع معدلات الأمراض التنفسية والسرطانية نتيجة انبعاثات المواد السامة واحتراق آبار النفط. كما تتأثر سبل العيش التقليدية، مثل الصيد البحري، مما يدفع نحو الهجرة القسرية ويزيد من هشاشة المجتمعات المحلية. وهنا تتجلى نظرية “الأمن الإنساني” التي تعتبر أن البيئة السليمة جزء لا يتجزأ من الأمن الشامل للإنسان.

قانونيًا، يثير هذا الوضع تساؤلات جوهرية حول فعالية قواعد القانون الدولي الإنساني في حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة. فرغم وجود اتفاقيات دولية، مثل اتفاقيات جنيف، التي تحظر إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد بالبيئة، إلا أن التطبيق العملي يظل محدودًا في ظل غياب آليات تنفيذ صارمة ومساءلة فعالة. كما أن غياب إطار قانوني دولي ملزم خاص بحماية البيئة في النزاعات المسلحة يزيد من تعقيد المشهد، ويترك المجال مفتوحًا أمام انتهاكات جسيمة دون عقاب.

وفي ظل تصاعد التوترات في منطقة الخليج، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الاقتصاد والسياسة والقانون والبيئة. فحماية مضيق هرمز لا ينبغي أن تُختزل في تأمين تدفق النفط فقط، بل يجب أن تشمل أيضًا حماية النظام البيئي البحري الذي يشكل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي والدولي.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وقف الحروب، بل في إعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل البعد البيئي كعنصر أساسي في استدامة التنمية. فالعالم اليوم لم يعد يتحمل كلفة حروب تُشعلها المصالح النفطية وتدفع ثمنها الطبيعة والإنسان معًا. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل آليات المساءلة، والاستثمار في الطاقات المتجددة كبديل استراتيجي يقلل من الاعتماد على النفط، ويحد من مخاطر الصراعات المرتبطة به.
إن النفط، رغم كونه مصدرًا للثروة، قد يتحول في ظل النزاعات إلى لعنة بيئية تهدد مستقبل الكوكب. ومن هنا، فإن مسؤولية حماية البيئة في مناطق النزاع لم تعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار العالم واستدامة موارده.