بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
تشكل مسألة إدراك المشكلات داخل المقاولات أحد أهم التحديات الخفية التي تؤثر بشكل مباشر على جودة القرار الاستراتيجي وفعالية التدبير اليومي. فالصورة التي تعكسها المعطيات الميدانية – حيث لا يرى المديرون سوى نسبة ضئيلة من المشكلات مقارنة بما يرصده العاملون في الميدان – ليست مجرد مفارقة تنظيمية، بل هي إشكالية بنيوية تعكس خللاً في تدفق المعلومات، وفي هندسة السلطة داخل المؤسسة. هذه الفجوة الإدراكية لا تعني فقط نقصًا في المعطيات، بل تشير إلى خطر حقيقي يتمثل في اتخاذ قرارات مبنية على رؤية جزئية للواقع.
في التحليل الاقتصادي، يمكن ربط هذه الظاهرة بنظرية عدم تماثل المعلومات (Asymétrie d’information) التي طورها الاقتصاديون أمثال جورج أكيرلوف، حيث تكون المعلومات موزعة بشكل غير متكافئ بين الفاعلين داخل المنظمة. فكلما ارتفعنا في الهرم الإداري، كلما أصبحت المعلومة أكثر تصفية وانتقائية، مما يؤدي إلى فقدان التفاصيل الدقيقة التي تشكل جوهر الإشكالات التشغيلية. وهذا ينعكس مباشرة على الكفاءة الاقتصادية للمقاولة، حيث يتم تخصيص الموارد بناءً على معطيات غير مكتملة، مما يؤدي إلى ضعف الإنتاجية وارتفاع التكاليف غير المرئية.
ومن زاوية سوسيولوجية، تفسر هذه الظاهرة من خلال نظرية البيروقراطية عند ماكس فيبر، التي تبرز كيف أن التسلسل الهرمي الصارم قد يخلق مسافة بين صناع القرار والمنفذين، فتتحول المعلومة إلى أداة خاضعة للسلطة بدل أن تكون وسيلة للحقيقة. فالعامل البسيط يرى الواقع كما هو، بينما يتم “تنقيح” هذا الواقع عبر مستويات متعددة من الإدارة، إما بدافع الخوف، أو التجميل، أو حتى بسبب غياب آليات تواصل فعالة. وهنا تتجلى خطورة الثقافة التنظيمية التي تعاقب نقل المشكلات بدل تشجيعه.
أما من الناحية القانونية والتنظيمية، فإن مبادئ الحكامة الجيدة (Bonne gouvernance)، كما أقرتها المعايير الدولية، تفرض على المقاولات ضمان الشفافية، وقابلية تتبع المعلومة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالقوانين الحديثة في التدبير، سواء في إطار الشركات أو المؤسسات العمومية، لم تعد تركز فقط على النتائج، بل كذلك على جودة منظومة اتخاذ القرار. وهذا يستلزم وجود قنوات رسمية وغير رسمية لرفع المعلومات من القاعدة إلى القمة دون تحريف، مع حماية المبلغين وتعزيز ثقافة الإبلاغ عن الاختلالات.
إن الرسالة الجوهرية التي تبرز من هذا الواقع هي أن القرب من الميدان ليس خيارًا إداريًا، بل ضرورة استراتيجية. فالقائد الحقيقي ليس من يجلس في قمة الهرم، بل من يمتلك القدرة على النزول إلى القاعدة وفهم التفاصيل الدقيقة. وهنا تظهر أهمية مفاهيم حديثة في التدبير مثل Management by Walking Around (MBWA)، والتي تقوم على تفاعل المديرين المباشر مع العاملين، وكذا اعتماد أدوات رقمية ذكية تتيح نقل المعطيات بشكل لحظي وشفاف.
وفي السياق المغربي، ومع التحولات التي تعرفها المقاولات في ظل الرقمنة وتزايد متطلبات التنافسية، يصبح من الضروري إعادة التفكير في نماذج التدبير التقليدية. فنجاح أي مؤسسة لم يعد يقاس فقط برقم معاملاتها، بل بقدرتها على التقاط الإشارات الضعيفة للمشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وهذا يمر حتماً عبر تمكين الموارد البشرية، وإرساء ثقافة الثقة، واعتماد أنظمة معلومات متكاملة تقلص من فجوة الإدراك بين المستويات الإدارية.
ويمكن القول إن أكبر خطر يهدد المقاولات ليس وجود المشكلات، بل عدم رؤيتها بالشكل الصحيح. فالمعلومة التي لا تصل، أو التي تصل مشوهة، هي أخطر من المشكلة نفسها. لذلك، فإن بناء مؤسسة قوية يمر أولاً عبر بناء نظام إدراكي سليم، حيث تكون الحقيقة متاحة للجميع، ويصبح القرار انعكاسًا دقيقًا للواقع، لا مجرد تصور نظري بعيد عن الميدان.