بقلم: الأستاذ سليماني مولاي عبد الله
يشهد العالم تحولاً رقمياً عميقاً تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها ما يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي التوليدي”، وهو نمط جديد من الأنظمة الذكية القادرة على إنتاج محتويات أصلية من نصوص وصور وصوت وفيديوهات، دون تدخل بشري مباشر في كل مرة. ورغم ما تحمله هذه الثورة من فرص هائلة للاقتصاد والتعليم والصناعة، إلا أنها تطرح في المقابل تحديات قانونية وأخلاقية جسيمة، خاصة في بلدان مثل المغرب، حيث لا يزال الإطار التشريعي متأخراً عن سرعة التطور التكنولوجي.
أولى هذه الإشكالات تتعلق بغياب إطار قانوني خاص ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالقوانين المغربية الحالية، بما فيها قانون الالتزامات والعقود، لا تُجيز مساءلة “خوارزمية” أو “نظام ذكي” عن أضرار ناتجة عن قراراته، في ظل عدم الاعتراف له بأي شكل من الشخصية القانونية. الأمر الذي يثير سؤالاً مركزياً: من يتحمل المسؤولية المدنية أو الجنائية في حال حدوث خطأ أو ضرر؟ هل هو المبرمج، المطور، المستخدم، أم المؤسسة المالكة للنظام؟
ثانياً، يواجه المغرب كما غيره من الدول تحدياً على مستوى الملكية الفكرية. فالقانون المغربي يشترط الإبداع البشري لحماية أي عمل أدبي أو فني، وهو ما يستبعد قانونياً أي إنتاج صادر عن الذكاء الاصطناعي التوليدي من دائرة الحماية، حتى وإن كان العمل متميزاً ومبتكراً. ومن هنا تنبع الحاجة الملحّة إلى إعادة تعريف مفاهيم الإبداع والمؤلف والحق المالي في ظل التكنولوجيا الحديثة.
أما من جهة حماية المعطيات الشخصية، فرغم وجود القانون رقم 09-08، إلا أن قدرته على مواكبة تعقيدات الذكاء الاصطناعي التوليدي تبقى محدودة، خاصة أن هذه الأنظمة تُدرّب عادة على كميات ضخمة من البيانات، بعضها يُجمع دون علم أو رضا المعنيين بالأمر، مما يهدد مبدأ الخصوصية وسيادة الأفراد على بياناتهم.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل البعد الأخلاقي والمجتمعي، حيث أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يُستخدم في صناعة أخبار زائفة أو صور وفيديوهات مُضلّلة (deepfakes)، وهو ما قد يؤدي إلى هز ثقة المواطنين في الإعلام، أو التلاعب بالرأي العام، أو حتى التأثير على الانتخابات والديمقراطية، وهو أمر يستوجب رقابة مؤسساتية صارمة وآليات واضحة للمساءلة.
من الناحية النظرية، تُشير المدرسة المؤسسية في الاقتصاد إلى أهمية صياغة قواعد قانونية مرنة ترافق الابتكار وتوجهه، دون أن تعرقله، وذلك من خلال تشريعات ذكية تضمن التوازن بين التطور التكنولوجي وحماية الحقوق الأساسية. ومن منظور نظرية المسؤولية الموسعة للمنتج، يمكن تطوير نموذج قانوني يحمل الشركات والمبرمجين مسؤولية أفعال أنظمتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتجات عالية الخطورة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي.
إن المغرب مطالب اليوم بأخذ زمام المبادرة عبر وضع قانون خاص بالذكاء الاصطناعي، يحدد المسؤوليات، يُنظم استخدام البيانات، ويؤطر مسألة الإبداع الآلي، إلى جانب تفعيل دور لجنة حماية المعطيات الشخصية (CNDP) وإطلاق نقاش وطني واسع بمشاركة الجامعات، والقانونيين، والفاعلين الرقميين، من أجل بناء منظومة تشريعية مرنة، عادلة وذات سيادة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس فقط قضية تكنولوجية، بل هو رهان قانوني وأخلاقي على مستقبل العدالة والحقوق في العصر الرقمي. والمغرب، إن أراد مواكبة هذه الثورة، عليه أن يبادر، لا أن ينتظر. فالتشريع الاستباقي لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية واستراتيجية.