بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في السنوات الأخيرة، شهد العالم ثورة تكنولوجية تمثلت في ظهور العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين، التي جذبت اهتمام المستثمرين والأفراد على حد سواء. وفي المغرب، تزايد الاهتمام بهذه العملات، مما أثار نقاشات حول جدوى منعها أو تنظيمها.
في عام 2022، بلغ عدد المغاربة الذين يمتلكون عملات مشفرة حوالي 1.15 مليون شخص، ما يعادل 3.05% من سكان المملكة. هذا النمو الملحوظ وضع المغرب في صدارة الدول الإفريقية من حيث تبني العملات الرقمية. وأظهر استطلاع رأي أنجزته “سونرجيا” أن 37% من المغاربة يرغبون في الاستثمار في العملات المشفرة إذا تم تقنينها، مع تركز هذا الاهتمام بين الفئات العمرية الشابة.
رغم أن السلطات المالية في المغرب أعلنت مرارًا أن التعامل بالعملات الرقمية غير قانوني، مبررة ذلك بالمخاطر المرتبطة بها، مثل غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، والتقلبات الحادة في قيمتها السوقية، إلا أن هذا المنع لم يثنِ العديد من الأفراد عن الانخراط في سوق العملات الرقمية، سواء من خلال منصات التداول العالمية أو عبر الوسطاء غير الرسميين.
وفي عالم اليوم، أصبح من الصعب فرض قيود صارمة على الابتكارات التكنولوجية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأصول الرقمية التي تعمل عبر شبكات لا مركزية، مثل البلوكشين. فالتعاملات تتم عبر الإنترنت، خارج نطاق السيطرة التقليدية للبنوك المركزية، مما يضع تحديات جديدة أمام صناع القرار المالي. لذلك، فإن السلطات المغربية، التي لطالما أظهرت حكمة في التعامل مع المستجدات الاقتصادية، تسعى إلى إيجاد حلول متوازنة تجمع بين حماية الاقتصاد الوطني وتشجيع الابتكار في المجال المالي.
بدلًا من الاكتفاء بالمنع، تعمل الدولة المغربية على تطوير إطار قانوني وتنظيمي واضح يتيح الاستفادة من الفرص التي توفرها العملات الرقمية، مع تقليل المخاطر المحتملة. فقد أثبتت التجارب الدولية أن نهج التنظيم الذكي يساهم في استقطاب الاستثمارات وتعزيز مكانة الاقتصاد الوطني. والمغرب، بفضل رؤيته الاستراتيجية، يدرك أن دمج هذه التقنيات الحديثة ضمن الاقتصاد الرسمي قد يفتح آفاقًا جديدة، مثل تسهيل التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج، وتعزيز الإدماج المالي، خصوصًا للفئات التي لا تتعامل مع البنوك التقليدية.
إن التعامل مع العملات الرقمية يتطلب مقاربة جديدة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية. فالتشدد في المنع قد يدفع الاقتصاد نحو اقتصاد موازٍ غير مراقب، في حين أن التنظيم الذكي، الذي تسير فيه المملكة بخطى ثابتة، سيمكن من جني فوائد التكنولوجيا المالية الحديثة، مع التحكم في مخاطرها. وقد أثبت المغرب قدرته على مواجهة التحولات الاقتصادية بحكمة وتبصر، ما يجعل مستقبله في هذا المجال واعدًا، خاصة مع الجهود المبذولة لتعزيز الرقمنة وتطوير البنية التحتية المالية.