مجتمع

الصياغة القضائية بالمغرب: فنّ القانون بين البلاغة والدقة

عثمان منجي الدين · 13‏/4‏/2025

بقلم: الأستاذ سليماني مولاي عبد الله

في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب على مستوى إصلاح منظومة العدالة، يبرز موضوع الصياغة القضائية كإحدى الركائز الأساسية في تعزيز الثقة بين المتقاضين والجهاز القضائي. إن جودة الأحكام القضائية لا تُقاس فقط بصواب التأويل القانوني أو دقة التكييف، بل تتجلى أيضًا في حسن الصياغة، ووضوح التعليل، وسلامة اللغة المستعملة في بناء النص القضائي. وإيمانًا بأهمية هذا الموضوع في مسار العدالة المغربية، أضع بين يدي القارئ هذا المقال، مساهمة في النقاش العام حول سُبل تطوير الصياغة القضائية وجعلها أداة فعالة لخدمة الحق والقانون.

في عمق المنظومة القضائية المغربية، تبرز الصياغة القضائية كأحد أهم الأعمدة التي تسند العدالة وتوجهها نحو تحقيق الأمن القانوني، وضمان حقوق المتقاضين، وإرساء شرعية الأحكام. فاللغة في هذا السياق لم تعد مجرد أداة تواصل، بل أضحت أداة للفصل في النزاعات، تُبنى بها القرارات وتُفكك بها العُقد القانونية. ولأن القضاء يُفترض فيه أن يكون مرآةً للعدالة، فإن أسلوب التعبير القضائي يجب أن يكون دقيقًا، واضحًا، متزنًا، ويجمع بين التقنية القانونية والوضوح اللغوي.
الصياغة القضائية ليست مجرد تجميع لعبارات قانونية أو حشو للمصطلحات، بل هي فنّ مستقل بذاته يتطلب تكوينًا عميقًا في اللغة والقانون معًا. القاضي أو المحامي أو كاتب الضبط، جميعهم يُطالبون بإتقان هذا الفن، لأن كل كلمة يمكن أن يكون لها وزن قانوني مؤثر. ويُدرك المتخصصون أن ضعف الصياغة يمكن أن يُفضي إلى غموض في الحكم أو إلى تأويلات متضاربة تفتح بابًا للطعن أو النقض.
اللغة العربية الفصحى، باعتبارها اللغة الرسمية للمغرب، تُعد الأداة الأساس في بناء النص القضائي، إلى جانب ما يفرضه الواقع من استعمال محدود للفرنسية، خاصة في المجالات التجارية والمدنية. هذه الثنائية تطرح تحديًا على مستوى الصياغة، إذ يتوجب الحفاظ على الانسجام اللغوي من جهة، وضمان تكييف المصطلحات القانونية الدقيقة مع واقع مزدوج اللسان من جهة أخرى. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تكوين مستمر للقضاة وأعوان القضاء في مجال اللغة القانونية، سواء في بعدها العربي أو الفرنسي، بهدف تفادي الهفوات التي قد تخلق اللبس في التطبيق.
القاضي في المغرب اليوم، لا يكفي أن يكون عارفًا بالنصوص ومتمكنًا من فقه الاجتهاد، بل يجب أن يكون كاتبًا ماهرًا، يُحسن توظيف اللغة لخدمة العدالة. الأحكام القضائية، خصوصًا في القضايا المعقدة، تحتاج إلى أسلوبٍ يوازن بين الإقناع والمنطق القانوني، بين الحياد والصرامة، بين البُعد الإنساني والصرامة الإجرائية. ومن هنا تأتي أهمية توحيد المعايير في الصياغة القضائية وتطوير نماذج مرجعية وطنية تحترم الخصوصية المغربية، وتتماهى مع روح الدستور الجديد الذي كرّس حق المواطن في الوصول إلى المعلومة وفهم مضامين الأحكام التي تمسّ حياته.
لا يمكن أن نتحدث عن إصلاح العدالة دون أن نُدرج الصياغة القضائية في صميم هذا الورش. فالمحاكم المغربية لا تفتقر فقط إلى الموارد المادية أو البنية التحتية، بل في كثير من الأحيان إلى بلاغة النص القضائي ورشاقته ومهنيته. في زمنٍ أصبحت فيه الشفافية مبدأً دستوريًا، والولوج إلى العدالة حقًا مكتسبًا، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار للغة القانونية، لا بتبسيطها المخلّ، ولكن بتوضيحها وتحسين نسقها حتى لا تبقى حكرًا على المتخصصين فحسب.
إن الصياغة القضائية ليست مجرد عملية تقنية، بل هي انعكاس لمستوى العدالة ذاتها. وكل تطور في هذا المجال هو تقدم في طريق قضاء نزيه، مفهوم، وقريب من المواطن. لذلك، فإن دعم جهود التكوين، وإعادة النظر في مناهج تدريس القانون، والاهتمام بتجارب الصياغة المقارنة، كلها خطوات مطلوبة لبناء نص قضائي مغربي يليق بعدالة القرن الواحد والعشرين.