بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في سياق التحولات العالمية المتسارعة التي يشهدها النظام المالي الدولي، لم تعد العملات مجرد أدوات تقليدية للتبادل، بل أصبحت تعبيراً عن القوة السيادية للدول وقدرتها على التكيف مع اقتصاد رقمي متنامٍ. ومع صعود العملات الرقمية المستقرة (Stablecoins) وتقنيات Web3، يطرح سؤال جوهري في المغرب: هل يمكن لهذه التحولات أن تهدد الدرهم المغربي، أم أنها تمثل فرصة لإعادة هيكلة النظام المالي الوطني؟
إن القراءة الاقتصادية لهذا التحول تستند إلى نظرية “الابتكار المالي” التي تؤكد أن الأنظمة النقدية تمر بدورات تطور تفرضها التكنولوجيا، حيث تنتقل من النقد الورقي إلى الرقمي تدريجياً، دون أن يعني ذلك اختفاء العملة الوطنية. فالدرهم المغربي، باعتباره عملة سيادية، يظل مرتبطاً بسياسات بنك المغرب وأدواته النقدية، وهو ما يمنحه استقراراً مؤسسياً لا يمكن للعملات اللامركزية تعويضه على المدى القصير.
غير أن هذا الاستقرار لا يمنع ظهور ضغوط جديدة، خاصة في مجال التحويلات المالية الدولية. فالتكنولوجيا المالية الحديثة توفر حلولاً أسرع وأقل تكلفة، وهو ما قد يقلص من دور البنوك التقليدية في عمليات التحويل. وهنا تبرز نظرية “المنافسة الهيكلية” التي ترى أن دخول فاعلين جدد إلى السوق المالي يؤدي إلى تحسين الكفاءة وخفض التكاليف، لكنه في المقابل يفرض على المؤسسات التقليدية إعادة هيكلة نماذجها الاقتصادية.
ومن زاوية اجتماعية، فإن الانتقال نحو المال الرقمي يعكس تحولات في سلوك الأفراد، حيث أصبحت الثقة تنتقل تدريجياً من المؤسسات إلى الأنظمة الرقمية. وتفسر المدرسة السوسيولوجية الاقتصادية هذا التحول بكونه نتيجة لعولمة الخدمات وتزايد الاعتماد على الحلول الرقمية، خاصة لدى فئة الشباب والمقاولين. إلا أن هذا الانتقال يظل غير متكافئ، نظراً للفجوة الرقمية بين المناطق الحضرية والقروية، مما يفرض تحديات على مستوى الشمول المالي.
أما من الناحية القانونية، فإن المغرب يعتمد مقاربة حذرة تستند إلى مبدأ “السيادة النقدية” المنصوص عليها ضمن اختصاصات بنك المغرب، حيث يبقى إصدار العملة وتنظيمها من صميم الدولة. وفي هذا الإطار، يتجه المغرب نحو دراسة إمكانية إصدار “درهم رقمي” (CBDC)، وهو ما ينسجم مع الاتجاه العالمي الذي تقوده البنوك المركزية. هذا التوجه يعكس تبني المدرسة القانونية التنظيمية التي تسعى إلى تأطير الابتكار بدل منعه، عبر خلق توازن بين حماية النظام المالي وتشجيع التطور التكنولوجي.
وفي العمق، لا يمكن اعتبار العملات الرقمية تهديداً مباشراً للدرهم المغربي، بل هي عامل ضغط إيجابي يدفع نحو تحديث النظام المالي. فالمنافسة التي تفرضها هذه العملات تؤدي إلى تقليص تكاليف التحويلات، وتعزيز الابتكار، ورفع جودة الخدمات البنكية. كما أنها تفتح المجال أمام تطوير حلول مالية جديدة تدعم الاقتصاد الرقمي والمقاولات الناشئة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في القدرة على مواكبتها. فنجاح المغرب في هذا التحول يمر عبر إصلاحات هيكلية تشمل تعزيز البنية التحتية الرقمية، وتطوير الإطار القانوني، وتحفيز الابتكار المالي، مع الحفاظ على الاستقرار النقدي.
إن الخلاصة التي يمكن استخلاصها هي أن الدرهم المغربي لن يتأثر بشكل مباشر وفوري بهذه التحولات، لكنه سيواجه على المدى المتوسط والطويل بيئة مالية مختلفة تفرض عليه التكيف. فالانتقال نحو اقتصاد رقمي ليس خياراً، بل هو مسار حتمي، والدول التي تنجح فيه هي التي توازن بين السيادة والانفتاح، وبين التنظيم والابتكار.
وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح، من خلال تبني رؤية تدريجية تضمن استقرار النظام المالي، مع الانخراط في دينامية التحول الرقمي العالمي، بما يكرس مكانته كاقتصاد صاعد قادر على التكيف مع تحديات المستقبل.