الرياضة

الحوكمة الرياضية الحديثة داخل FIFA: من الإدارة التقليدية إلى منظومة عالمية للرقابة والامتثال والاستدامة

عثمان منجي الدين · 20‏/5‏/2026

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

لم يعد مفهوم الحوكمة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم مجرد آلية لتنظيم المسابقات أو تدبير الشؤون الإدارية والمالية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة عالمية متكاملة تمزج بين الرقابة المؤسسية، والامتثال، والتحول الرقمي، وحقوق الإنسان، والاستدامة، وإدارة المخاطر، وهو ما تعكسه بوضوح لوائح الحوكمة الجديدة المعتمدة من طرف FIFA خلال سنة 2024 والمطبقة بشكل موسع خلال موسم 2025/2026.

لقد أدركت FIFA، بعد الأزمات التنظيمية والأخلاقية التي عرفتها كرة القدم العالمية خلال العقد الماضي، أن مستقبل اللعبة لم يعد مرتبطاً فقط بالنتائج الرياضية أو المداخيل التجارية، بل أصبح رهيناً بقدرة المؤسسة الرياضية على بناء نموذج حوكمة متوازن يضمن الشفافية، والاستقلالية، والنزاهة، والمساءلة، وحماية الحقوق، وتعزيز الثقة لدى الاتحادات الوطنية والجماهير والشركاء الدوليين.

وفي هذا السياق، شهد موسم 2025/2026 توسعاً غير مسبوق في مفهوم الحوكمة الرياضية داخل FIFA، حيث انتقلت المؤسسة من نموذج إداري تقليدي قائم على التسيير المركزي إلى نموذج مؤسساتي متكامل يقوم على توزيع الاختصاصات، وتحديد المسؤوليات، وإخضاع مختلف المناصب العليا لآليات التحقق والرقابة والتقييم المستمر. فقد نصت لوائح الحوكمة على إخضاع أعضاء المجلس والرئيس والأمناء العامين واللجان المستقلة والمحاكم الرياضية لعمليات فحص الأهلية والاستقلالية قبل التعيين أو إعادة الانتخاب، بما يعزز مبدأ النزاهة المؤسسية داخل المنظومة الرياضية الدولية.

ومن أبرز التحولات الجوهرية التي عرفتها FIFA خلال هذه المرحلة، تعزيز مفهوم “الحوكمة الرقمية”، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة مساعدة، بل أصبحت جزءاً من البنية التنظيمية للقرار الرياضي. فقد تم إحداث لجنة متخصصة في التكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي تتولى مواكبة التطور التقني، وتطوير البصمة الرقمية للمؤسسة، والإشراف على برامج الابتكار الرياضي، واستعمال التكنولوجيا لتحسين القرارات التحكيمية والإدارية والتنظيمية. ويعكس هذا التحول إدراك FIFA أن إدارة كرة القدم الحديثة أصبحت تعتمد على البيانات الضخمة، والتحليل الرقمي، والأنظمة الذكية، وتقنيات المراقبة، والأمن السيبراني، بما يقارب نماذج الحكامة المعتمدة في كبريات المؤسسات الاقتصادية العالمية.

كما برز خلال موسم 2025/2026 اهتمام متزايد بقضايا السلوك والانضباط والامتثال الأخلاقي، حيث تم توسيع صلاحيات اللجان القضائية ولجان الأخلاقيات والرقابة والتدقيق، مع اعتماد آليات أكثر صرامة لمراقبة تضارب المصالح، والمعاملات ذات الصلة، والتصريحات المرتبطة بالعلاقات المالية والمهنية داخل FIFA والاتحادات الوطنية. ولم يعد الأمر مقتصراً على محاربة الفساد المالي، بل أصبح يشمل حماية سمعة المؤسسة الرياضية، وضمان استقلالية القرار، وتعزيز ثقافة الامتثال المؤسسي.

وفي البعد الاجتماعي والإنساني، شهدت منظومة الحوكمة داخل FIFA تطوراً نوعياً من خلال إدماج مفاهيم safeguarding وحماية الأفراد وحقوق الإنسان داخل البنية التنظيمية للمؤسسة. فقد أصبحت قضايا حماية الأطفال، ومحاربة التحرش، ومكافحة التمييز والعنصرية، وتعزيز المساواة بين الجنسين، جزءاً من صميم السياسات التنظيمية الجديدة. كما تم إحداث لجان متخصصة في مكافحة العنصرية والتمييز، وأخرى للمسؤولية الاجتماعية لكرة القدم، إلى جانب لجنة خاصة بحقوق الإنسان والاستدامة. ويعكس ذلك انتقال FIFA من مؤسسة رياضية تقليدية إلى فاعل دولي يحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية وتنموية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

ومن الناحية المالية، اتجهت FIFA إلى تعزيز العلاقة بين التمويل والامتثال المؤسسي، حيث أصبحت برامج الدعم والتطوير المقدمة للاتحادات الوطنية مرتبطة بمدى احترام معايير الحوكمة والشفافية والرقابة الداخلية. كما تم تعزيز دور لجنة المالية ولجنة التدقيق والامتثال في مراقبة السياسات المحاسبية، وإعداد الميزانيات، وتتبع المخاطر، والتدقيق في المعاملات المالية، ومراجعة الأنظمة الداخلية بصفة دورية. وهو ما يعكس تقارباً واضحاً بين الإدارة الرياضية الحديثة ومبادئ الحكامة المعتمدة داخل المؤسسات المالية والشركات متعددة الجنسيات.

كما عرفت FIFA خلال موسم 2025/2026 توسعاً مؤسساتياً مهماً من خلال إحداث وتطوير عدد كبير من اللجان المتخصصة التي أصبحت تغطي تقريباً كل المجالات المرتبطة بكرة القدم الحديثة، من التكنولوجيا والتحول الرقمي، إلى المسؤولية الاجتماعية، والتطوير التقني، والكرة النسوية، والجماهير، والبنية التحتية، والأمن، والتحكيم، والعلاقات الدولية، والتسويق، والإعلام، وحتى مستقبل كرة القدم الإلكترونية. ويؤكد هذا التنوع أن FIFA لم تعد تنظر إلى كرة القدم كرياضة فقط، بل كمنظومة اقتصادية واجتماعية وثقافية عالمية تتطلب حكامة متعددة الأبعاد.

وفي الإطار التنظيمي، تعززت كذلك مركزية الرقابة داخل FIFA، حيث أصبح مجلس FIFA يلعب دوراً استراتيجياً في تحديد السياسات العامة، واعتماد اللوائح، والإشراف على اللجان، وتحديد معايير العقود التجارية وبرامج التطوير، مع الفصل الواضح بين السلطة الاستراتيجية والسلطة التنفيذية التي يتولاها الرئيس والأمين العام. ويعكس هذا التوجه تبني FIFA لمبدأ الفصل بين السلطات داخل المؤسسة الرياضية بما ينسجم مع قواعد الحكامة الحديثة.

كما أن الانتخابات داخل FIFA أصبحت تخضع لقواعد دقيقة تتعلق بالنزاهة، والشفافية، وفحص الأهلية، واحترام الأخلاقيات، ومنع تضارب المصالح، واعتماد التصويت السري وآليات المراقبة المستقلة، وهو ما يظهر بوضوح في لوائح انتخاب رئيس FIFA وأعضاء المجلس والهيئات القضائية.

إن هذه التحولات تكشف أن FIFA خلال موسم 2025/2026 دخلت مرحلة جديدة من الحكامة الرياضية العالمية، تقوم على الدمج بين الإدارة الرياضية الحديثة، والرقابة المؤسسية، والامتثال، والتحول الرقمي، والاستدامة، وحقوق الإنسان، وإدارة المخاطر، والمسؤولية الاجتماعية، وهو ما يجعل التجربة الحالية للاتحاد الدولي لكرة القدم واحدة من أكثر نماذج الحوكمة الرياضية تطوراً على المستوى الدولي.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور المتنامي للمؤسسات الأكاديمية والبحثية في مواكبة هذه التحولات العالمية، من خلال تكوين الكفاءات في مجالات الحوكمة الرياضية، والتحكيم، والقانون الرياضي، والتدقيق والامتثال، وهو ما ينسجم مع الدينامية العلمية التي يعرفها المركز الدولي للدراسات والبحث العلمي المتعدد التخصصات بالمغرب، وكذا مع الجهود الرامية إلى تعزيز الإشعاع الأكاديمي والعلمي لمدينة الرشيدية داخل مجالات البحث القانوني والاقتصادي والرياضي الدولي.