بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
لم يعد التصريح الضريبي في المغرب مجرد إجراء إداري روتيني، بل أصبح تجربة مركبة تشبه الدخول في متاهة قانونية ومحاسبية متشعبة. فمع توالي الإصلاحات الجبائية وتوسيع نطاق الاقتطاع من المنبع، يحدث تحول عميق في وظيفة المقاولة: من وحدة إنتاج اقتصادي إلى فاعل مباشر في تحصيل الضريبة لفائدة الدولة.
هذا التحول، وإن كان يهدف إلى تحسين مردودية الجباية وتعزيز الامتثال الضريبي، إلا أنه يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بتحميل المقاولة أدوارًا تتجاوز طبيعتها الأصلية. فالمقاولة اليوم لا تكتفي بالإنتاج والتسويق، بل أصبحت مطالبة بالاقتطاع، والتصريح، والتحويل، والمراقبة، وأحيانًا التأويل القانوني للنصوص الجبائية. وهي مهام تتطلب كفاءة تقنية عالية، وموارد بشرية مؤهلة، وأنظمة معلومات دقيقة.
غير أن هذا النموذج يفترض ضمنيًا وجود نسيج اقتصادي يتمتع بنضج إداري ومحاسبي كافٍ. والحقيقة أن جزءًا كبيرًا من المقاولات المغربية، خاصة الصغرى جدًا (TPE)، لا تتوفر على هذه المقومات. فثقافة التصريح الضريبي لا تزال في طور الترسخ، وغالبًا ما يُنظر إلى الجباية كعبء أكثر منها كأداة مواطنة مالية.
المشكل لا يكمن فقط في مستوى الضريبة، بل في تعقيد المساطر وتعدد المتدخلين وتداخل النصوص. فكل عملية تصريح قد تفتح بابًا لسلسلة من الالتزامات المتتابعة، حيث تتحول أبسط الهفوات إلى مصدر لمخاطر مالية وقانونية جسيمة. وهنا يتجلى الخلل: ليس في مبدأ الجباية، بل في بيئتها الإجرائية.
في هذا السياق، تصبح الأخطاء شبه حتمية، ليس بسبب سوء نية، بل نتيجة كثافة المتطلبات وتعددها. فكل اقتطاع من المنبع يحمل معه نسبًا مختلفة، وتصاريح خاصة، وآجالًا دقيقة، وعقوبات صارمة في حال الإخلال. وهو ما يجعل من الامتثال الضريبي تحديًا يوميًا، خصوصًا للمقاولات الصغيرة التي تفتقر إلى مرافقة متخصصة.
أما المقاولات الكبرى، فهي أكثر قدرة على التكيف مع هذا الواقع، بفضل توفرها على مديريات مالية، ومستشارين جبائيين، وأنظمة معلومات متقدمة. لكن هذا التفاوت يعمق الفجوة داخل النسيج الاقتصادي، ويطرح سؤال العدالة الجبائية من زاوية القدرة على الامتثال، وليس فقط من زاوية نسب الضرائب.
إن الرهان اليوم لا يجب أن ينحصر في تعميم آليات التحصيل، بل في تبسيط المساطر، وتوحيد النماذج، وتعزيز الثقة بين الإدارة والملزم. فالإدارة الجبائية مطالبة بالانتقال من منطق المراقبة والعقاب إلى منطق المواكبة والتوجيه. كما أن رقمنة المساطر، رغم أهميتها، يجب أن تكون مرفوقة بتبسيط حقيقي، لا أن تتحول إلى تعقيد رقمي جديد.
لا يمكن بناء نظام جبائي فعال دون إدماج حقيقي للمقاولة، خاصة الصغيرة منها، في منطق الفهم والمواكبة. فالتصريح الضريبي يجب أن يُعاد تقديمه كحق وواجب في آن واحد، لا كمسار محفوف بالمخاطر. لأن الجباية العادلة لا تُقاس فقط بحجم الموارد المحصلة، بل أيضًا بدرجة وضوحها وقابليتها للتطبيق.
إن الخروج من هذا “اللابيرنت الجبائي” لا يتطلب فقط إصلاح النصوص، بل إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمقاولة على أساس الثقة، والوضوح، والإنصاف.