مجتمع

التحكيم يقرر مصيره: التعديلات اللندنية 2025 ترسّخ سيادة العدالة الخاصة

عثمان منجي الدين · 29‏/4‏/2025

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
محكم دولي معتمد لدى مركز QMI لندن

في عالم تتشابك فيه العلاقات التجارية وتزداد فيه الحاجة إلى حلول مرنة وعادلة للنزاعات، يأتي التحكيم كمؤسسة مستقلة تتحدى البيروقراطية القضائية وتقدّم نموذجاً للعدالة الفعالة. ويؤكد قانون التحكيم الإنجليزي لعام 2025 مجدداً هذه الريادة، من خلال ترسيخ مبدأ جوهري يُعد حجر الأساس في منظومة التحكيم الدولية الحديثة، وهو مبدأ “الاختصاص بالاختصاص”. هذا المبدأ الفاصل يمنح هيئة التحكيم السلطة الأولية لتقرير مدى اختصاصها، دون أن تضطر إلى انتظار كلمة القضاء، في خطوة تعزز استقلالها وتعكس ثقة المشرّع الإنجليزي في كفاءة آليات التحكيم.
التحكيم لم يعد مجرد إجراء بديل للقضاء، بل سلطة قائمة بذاتها، تحكم بصلاحيتها وتفصل في النزاع من اللحظة الأولى، حتى حين يُشكك أحد الأطراف في صحة اتفاق التحكيم أو في وجوده. ومع أن القانون لا يُغلق الباب تماماً أمام المحاكم، إلا أنه جعل دورها احتياطياً واستثنائياً، محصوراً في نطاقات ضيقة ووفق شروط محددة. وهكذا، فإن مراجعة القضاء لقرارات التحكيم لا تتم إلا بناءً على طعن صريح يتبيّن فيه وجود مخالفة قانونية واضحة، ما يقيّد التدخل القضائي ويعزز من هيبة هيئة التحكيم.
التعديلات التي أقرها المشرّع في نسخة 2025 لم تأتِ مجرد تحديث تقني، بل كانت نقلة نوعية رسّخت وعيًا قانونيًا متقدماً بفكرة أن التحكيم ليس فقط بديلاً للقضاء، بل سلطة قائمة، تُحترم قراراتها كما تُحترم قرارات المحاكم. وقد أكدت التعديلات أن الاختصاص في يد الهيئة أولاً، وجعلت الطعن أمام القضاء مقيداً، لا يتم إلا في حالات استثنائية، منها أن يصدر عن الهيئة قرار يتعارض بوضوح مع القانون.
بهذا التطور، تتجه إنجلترا بثبات نحو تعزيز مكانتها كمركز عالمي للتحكيم، وتقدم تشريعاً يُحتذى به، يوازن بين الاستقلالية والرقابة، ويضمن أن تبقى هيئات التحكيم أداة موثوقة للفصل في النزاعات، لا سيما في القضايا التجارية ذات الطابع الدولي. فمبدأ “الاختصاص بالاختصاص” لم يعد مجرد نظرية قانونية، بل صار واقعاً تشريعياً يدعم كفاءة التحكيم ويُرسّخ ثقة الأطراف فيه.
وهكذا، يبرهن قانون التحكيم الإنجليزي لعام 2025 أن التحكيم ليس فقط خياراً قانونياً، بل اختيار استراتيجي للعدالة، وأن هيئة التحكيم، حين تُمنح الثقة، قادرة على حمل عبء المسؤولية، وحسم النزاعات بكفاءة لا تقل عن القضاء، وربما تتجاوزه في بعض الأحيان.