بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في عالم يتسارع فيه الإيقاع وتزداد فيه تعقيدات العلاقات المدنية والتجارية، لم يعد القضاء التقليدي وحده كافياً لضمان عدالة ناجزة وفعالة. هنا يبرز التحكيم كوسيلة بديلة لحل المنازعات، تتسم بالمرونة والسرعة، وتستند أساساً إلى مبدأ سلطان الإرادة. إلا أن هذا الخيار التوافقي لا يمكن أن يتحرر كلياً من رقابة الدولة، وهو ما يجعل التحكيم يتحرك في منطقة قانونية رمادية، تتقاطع فيها إرادة الأطراف مع مبدأ السيادة القضائية. فكيف يمكن تفسير هذا التداخل؟ وهل يهدد سلطان الإرادة مكانة القضاء أم يشكل امتداداً له في إطار دولة الحق والقانون؟
التحكيم في جوهره تعاقد، تقوم بموجبه الأطراف على استبعاد اختصاص القضاء الرسمي، واختيار هيئة محايدة للفصل في النزاع. هذا الاختيار يستند إلى مبدأ سلطان الإرادة، الذي يمنح الأطراف حرية تحديد القانون الواجب التطبيق، ولغة التحكيم، وعدد المحكمين، بل وحتى مكان إجراء التحكيم. وهو ما يجعل من التحكيم نظاماً قضائياً خاصاً، يحمل في طياته حمولة تعاقدية خالصة.
لكن هذه الحرية، مهما اتسعت، لا تعني الاستقلال التام عن الدولة ومؤسساتها القضائية. فالتحكيم، في صورته الواقعية، يبقى آلية تخضع لتأطير قانوني صارم، يمارس فيه القضاء دور الحارس والمنسق، لا سيما عند الطعن في صحة شرط التحكيم، أو عند تشكيل الهيئة التحكيمية، أو في مرحلة الاعتراف وتنفيذ الحكم التحكيمي. وهنا تظهر بوضوح ملامح سيادة القضاء، التي تفرض حضورها ولو من خلف الستار.
القانون المغربي، من خلال قانون المسطرة المدنية (خاصة الباب الثامن منه)، حاول إرساء هذا التوازن بين الإرادة الحرة للأطراف من جهة، ودور القضاء في حماية النظام العام وضمان الأمن القانوني من جهة ثانية. فحتى وإن سمح للأطراف بحرية اللجوء إلى التحكيم، إلا أن هذه الحرية مشروطة بعدم المساس بالنظام العام، سواء على مستوى مضمون الحكم أو إجراءات التحكيم ذاتها.
من جهة أخرى، تبقى السلطة التقديرية للهيئة التحكيمية محدودة بالمقتضيات القانونية، ومرتبطة في جزء كبير منها بما تسمح به اتفاقية التحكيم. فالمحكم، وإن لم يكن قاضياً رسمياً، يظل ملزماً باحترام الضمانات الأساسية للتقاضي العادل، كالحياد، المساواة بين الأطراف، واحترام حق الدفاع. وهو ما يجعل من المحكمين فاعلين قانونيين خاضعين لتوجيهات تشريعية وقضائية، لا مستقلين تماماً عن المنظومة القانونية الوطنية.
أما على مستوى تنفيذ الأحكام التحكيمية، فيظهر جلياً تدخل القضاء، حيث لا يمكن تنفيذ الحكم التحكيمي إلا بعد منحه الصيغة التنفيذية من قبل رئيس المحكمة الابتدائية المختصة. ويحق للقضاء، في هذه المرحلة، أن يرفض التنفيذ إذا كان الحكم مخالفاً للنظام العام أو مشوباً بعيوب تمس بشرعية مسطرة التحكيم.
في النهاية، فإن التحكيم، وإن كان يعكس رغبة الأطراف في تجاوز بطء وتعقيد القضاء الرسمي، فإنه لا يمكن فصله عن سلطة الدولة وسيادتها القضائية. بل إن التحكيم في المغرب لا يشكل خروجاً عن سلطة القضاء، وإنما تجسيداً مرناً لها، يزاوج بين حرية التعاقد ومقتضيات العدالة المؤسسية. إنه فضاء قانوني رمادي، لا يكتمل وضوحه إلا بفهم عميق للعلاقة الجدلية بين سلطان الإرادة وسيادة القضاء، في إطار من التوازن يحمي الحقوق ويضمن فعالية النجاعة القضائية في ظل دولة الحق والقانون.