مجتمع

التحكيم بالمغرب: رؤية ملكية وإرادة تشريعية لترسيخ الأمن القانوني

عثمان منجي الدين · 12‏/4‏/2025

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في زمن أصبحت فيه النزاعات التجارية والاستثمارية من أبرز التحديات التي تواجه الفاعلين الاقتصاديين، برز التحكيم كآلية حديثة وفعالة لحل الخلافات خارج أروقة المحاكم، في أجواء تتسم بالسرعة والسرية والمرونة. وفي هذا السياق، خطى المغرب خطوات رائدة لترسيخ التحكيم كخيار استراتيجي، يعكس رؤية ملكية متبصرة ويجسد إرادة تشريعية واضحة لتحديث المنظومة القانونية وتكريس دولة القانون.
لقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة تطوراً تشريعياً ملحوظاً في مجال التحكيم، بدءاً من صدور قانون 08.05 الذي عدل ونسخ الباب الثامن من قانون المسطرة المدنية، واضعاً بذلك أولى اللبنات نحو تحكيم مؤسساتي حديث، يراعي متطلبات الانفتاح الاقتصادي والتحولات العالمية. وقد شكل هذا القانون نقلة نوعية من حيث الاعتراف بالتحكيم كوسيلة بديلة لحل المنازعات، حيث وضع إطاراً قانونياً يضمن المصداقية والشفافية في الإجراءات التحكيمية.
غير أن الدولة المغربية، بفضل حرصها الدائم على التجاوب مع تطورات البيئة القانونية الدولية، واصلت مسلسل التحديث بإصدار مشروع قانون مستقل حول التحكيم والوساطة الاتفاقية، يجسد مرحلة جديدة من النضج القانوني. هذا المشروع، الذي يندرج ضمن الاستراتيجية الوطنية لإصلاح العدالة، يكرس مكانة المغرب كوجهة آمنة وموثوقة للتحكيم التجاري، ويعزز جاذبيته الاستثمارية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وقد حرص المشرّع المغربي في هذا المشروع على تبني أفضل المعايير المعمول بها دولياً، خاصة ما يتعلق باستقلالية مسطرة التحكيم، وضمان حيادية المحكمين، وإعطاء دور أكبر لإرادة الأطراف، وهو ما يعكس وعياً مؤسساتياً بضرورة ملاءمة القانون الوطني مع الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية نيويورك لسنة 1958 بشأن الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية.
وفي مستجد لافت، صادق البرلمان المغربي مؤخراً على القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الذي دخل حيز التنفيذ في أوائل سنة 2024، والذي يعتبر طفرة تشريعية حقيقية في مجال العدالة البديلة. من بين أبرز مضامين هذا القانون، توسيع اختصاصات مراكز التحكيم، وتكريس التحكيم الإلكتروني، وتعزيز مبدأ استقلال المحكّم، إلى جانب تسهيل تنفيذ الأحكام التحكيمية عبر آليات قضائية أكثر مرونة وسرعة. كما أنه لأول مرة، تم تنظيم التحكيم الاستهلاكي والتحكيم في المجال العقاري ضمن نصوص واضحة، مما يعكس شمولية الرؤية القانونية المغربية.
وتعكس هذه التطورات إرادة قوية لدى المغرب في التموقع كمركز إقليمي للتحكيم، خصوصاً مع تزايد إحداث مراكز تحكيم خاصة ومؤسساتية في مدن مثل الرباط، الدار البيضاء، ومراكش، بدعم مباشر من الدولة وبشراكة مع مؤسسات دولية مرموقة.
إن هذا التوجه التشريعي المتقدم لم يكن ليتحقق لولا الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ما فتئ يؤكد في خطاباته على ضرورة تعزيز الأمن القانوني والاجتهاد القضائي وتحديث منظومة العدالة بما يواكب تحديات العصر. كما أن مختلف المؤسسات الحكومية والقضائية أبانت عن التزامها الراسخ في إرساء ثقافة التحكيم، من خلال التكوين، والتحسيس، ودعم مراكز التحكيم الوطنية، وإرساء شراكات مع هيئات دولية متخصصة.
في ظل هذا الزخم، بات من الواضح أن المغرب لا يراهن فقط على التحكيم كأداة لتخفيف الضغط عن المحاكم، بل كمكون استراتيجي في منظومة العدالة الاقتصادية، ومفتاح لتكريس الثقة في مناخ الأعمال، وجسر لتعزيز موقعه كقطب إقليمي في مجال تسوية النزاعات بالطرق البديلة.
وهكذا، فإن مسار تطور التحكيم بالمغرب هو ثمرة رؤية بعيدة المدى، تقودها دولة جعلت من تحديث القانون هدفاً، ومن خدمة الاستثمار التزاماً، ومن ترسيخ العدالة التعاقدية خياراً لا رجعة فيه. إنها بحق تجربة ملهمة في محيط إقليمي ودولي متغير، تؤكد أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذج قانوني متطور، يستجيب لمتطلبات النجاعة والعدالة والإنصاف.