مجتمع

التحكيم الدُّوَليّ: بين التأييد والمعارضة – رؤية تكاملية

عثمان منجي الدين · 16‏/4‏/2025

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله محكم معتمد لدى مركز QMI لندن
يعدّ التحكيم الدُّوَليّ من أكثر المواضيع المثيرة للنقاش في مجال حل النزاعات الدولية، حيث يطرح العديد من الأسئلة حول مدى تأثيره، جدواه، وفعاليته مقارنةً بالقضاء التقليدي. ومن بين الأسئلة التي تثير الجدل هو: هل أنت مؤيد للتحكيم Pro-Arbitration أم معارض له Anti-Arbitration؟ وكأن هذا السؤال يتطلب الإجابة الحتمية بنعم أو لا، وكأنك إما في صف التحكيم أو في صف القضاء. الحقيقة أنني، من خلال تجربتي في هذا المجال، لا أرى أن السؤال بهذه البساطة.
إن التحكيم، مثل غيره من الأدوات القانونية، ليس خاليًا من النقائص والعيوب. لكن هل يعني ذلك أن نرفضه بالكامل؟ بالطبع لا. فلكل حالة سياقها الخاص الذي يتطلب التقييم الدقيق قبل اتخاذ أي قرار بشأن الحل الأنسب. فكما أن هناك مواقف تدعو إلى اللجوء إلى التحكيم، هناك أيضًا حالات أخرى يكون فيها التقاضي أمام المحاكم الوطنية أو الدولية هو الخيار الأنسب.
عند النظر إلى العلاقة بين التحكيم والقضاء، نجد أنهما لا يجب أن يتواجها في صراع أو تنافس. بل، يجب أن تكون العلاقة بينهما علاقة تكاملية تسهم في تحقيق العدالة. ففي كثير من الأحيان، يمكن للتحكيم أن يكون أسرع وأكثر مرونة، خاصة في النزاعات التجارية الدولية التي تنطوي على أطراف متعددة من دول مختلفة. ولكن في بعض الحالات الأخرى، قد يكون التقاضي هو الطريق الأفضل لتحقيق العدالة بشكل أوسع وأشمل.
وقد ذكرت في أحد أبحاثي المنشورة باللغة العربية أن “إن مقتضيات العدالة تستلزم أن تكون العلاقة بين قضاء الدولة والتحكيم الدُّوَليّ علاقة تكاملية تقوم على التعاون والاحترام، لا علاقة تنافسية تقوم على التنافر والصدام.” هذا يعني أن التحكيم ليس بديلاً عن القضاء، بل هو أداة تكملية يمكن أن تدعم العملية القضائية في حال تم استخدامها بشكل صحيح.
كما أن التحكيم يتمتع بالعديد من المزايا التي تجعله جذابًا للعديد من الأطراف. فهو يوفر سرية أكبر مقارنةً بالتقاضي العلني، ويمنح الأطراف القدرة على اختيار المحكمين المتخصصين في مجال نزاعهم، مما يساهم في تقديم حل أكثر دقة وملاءمة. ومن أبرز ما يميز التحكيم هو مرونته وقدرته على التكيف مع طبيعة النزاع، بالإضافة إلى سرعة الإجراءات مقارنةً بالمحاكم التقليدية.
ومع ذلك، لا يمكن التغاضي عن بعض العيوب التي قد تصاحب التحكيم. على سبيل المثال، تكاليفه المرتفعة في بعض الأحيان، وكذلك احتمالية انعدام الرقابة الكافية على المحكمين مما قد يؤدي إلى قرارات متحيزة في بعض الحالات. بالإضافة إلى ذلك، يواجه التحكيم تحديات في التنفيذ الفعلي لأحكامه في بعض الدول التي قد لا تكون ملتزمة أو راغبة في تنفيذ هذه الأحكام.
وعليه يجب أن ندرك أن التحكيم والقضاء ليسا في صراع دائم، بل يمكن أن يكونا شريكين في تحقيق العدالة. إن استخدام التحكيم أو التقاضي يجب أن يتم بناءً على تقييم دقيق لظروف النزاع، وأن يكون الهدف النهائي هو تحقيق حل عادل وفعال لجميع الأطراف المعنية