بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في ظل التحولات العميقة التي يعرفها سوق الشغل بالمغرب، لم يعد النزاع المهني يقتصر على الأجور أو إنهاء عقود العمل، بل أصبح يتمحور بشكل متزايد حول ممارسات خفية لكنها خطيرة، وعلى رأسها التحرش المعنوي. هذا الأخير لم يعد مجرد سلوك غير أخلاقي داخل المؤسسة، بل تحول إلى خطر قانوني حقيقي يهدد استقرار المقاولة ويعرضها لمسؤوليات ثقيلة أمام القضاء.
التحرش المعنوي، في جوهره، لا يقوم على العنف المادي، بل على الضغط النفسي المنهجي الذي يمارسه المشغل أو الإدارة أو حتى الزملاء، من خلال ممارسات مثل تجريد الأجير من مهامه، عزله عن محيط العمل، إقصائه من التواصل المهني، أو دفعه بطريقة غير مباشرة إلى مغادرة العمل دون احترام المساطر القانونية. هذه الأفعال، التي قد يعتقد البعض أنها تدخل في إطار “التدبير الإداري”، تتحول في نظر القانون إلى خطأ جسيم يرتب المسؤولية.
من الناحية القانونية، يكرّس المشرع المغربي من خلال مدونة الشغل مبدأ حماية الأجير من كل أشكال التعسف، حيث تنص المادة 24 على ضرورة احترام كرامة الأجير، بينما تؤكد المواد المرتبطة بإنهاء عقد الشغل على وجوب احترام المسطرة القانونية تحت طائلة اعتبار الفصل تعسفياً. كما أن الاجتهاد القضائي المغربي، خاصة على مستوى محكمة النقض، بدأ يتجه نحو تكييف بعض ممارسات الضغط المهني كتحرش معنوي، خصوصاً عندما تؤدي إلى الإضرار بالصحة النفسية أو دفع الأجير إلى الاستقالة القسرية.
في هذا السياق، يظهر مفهوم الفصل المقنّع (licenciement déguisé) كأحد أخطر تجليات التحرش المعنوي، حيث يتم دفع الأجير إلى مغادرة العمل دون إصدار قرار صريح بالفصل، وهو ما يجعل القضاء يتدخل لإعادة تكييف العلاقة القانونية، وقد يصل الأمر إلى الحكم بـ التعويض عن الفصل التعسفي أو إقرار الفسخ القضائي لعقد الشغل على مسؤولية المشغل.
اقتصادياً، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال نظرية تكلفة الوكالة (Agency Theory)، حيث يسعى بعض المديرين إلى تحقيق أهداف قصيرة المدى عبر الضغط على الموارد البشرية، دون إدراك أن هذه الممارسات تولد تكاليف خفية تتمثل في النزاعات القضائية، انخفاض الإنتاجية، تدهور السمعة، وفقدان الكفاءات. فالمقاولة التي تعتقد أنها “تتحكم في الوضع” قد تكون في الواقع بصدد بناء ملف قانوني ضد نفسها.
أما اجتماعياً، فإن التحرش المعنوي يعكس خللاً في ثقافة المؤسسة، حيث يغيب منطق الحكامة الجيدة لصالح ممارسات سلطوية، وهو ما يتعارض مع مبادئ المدرسة السوسيولوجية التي ترى أن بيئة العمل السليمة تقوم على التوازن بين السلطة والمسؤولية، وعلى احترام الكرامة الإنسانية كعنصر أساسي في الإنتاج.
وفي الإطار المقارن، تتجه التشريعات الحديثة، خاصة في أوروبا، إلى تجريم صريح للتحرش المعنوي وإلزام المشغلين بوضع آليات وقائية داخل المقاولة. ورغم أن المشرع المغربي لم يضع بعد تعريفاً دقيقاً ومفصلاً للتحرش المعنوي في مدونة الشغل، إلا أن القضاء يلعب دوراً محورياً في سد هذا الفراغ عبر الاجتهاد والتكييف القانوني.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الفعل ذاته، بل في سوء تقدير المقاولة لآثاره القانونية. فكل قرار إداري غير مؤطر قانونياً، وكل ممارسة تمس بكرامة الأجير، قد تتحول إلى دليل يُستخدم ضد المشغل أمام القضاء. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال من منطق السلطة إلى منطق الامتثال القانوني (Compliance)، ومن التدبير التقليدي إلى الحكامة المسؤولة.
ويمكن القول إن التحرش المعنوي لم يعد مسألة أخلاقية أو إدارية فقط، بل أصبح ملفاً قضائياً بامتياز، يتطلب من المقاولات المغربية إعادة النظر في أساليب تدبيرها للموارد البشرية، واعتماد مقاربات حديثة قائمة على احترام القانون، حماية الكرامة، وضمان التوازن داخل بيئة العمل. لأن المقاولة التي لا تحمي مواردها البشرية، قد تجد نفسها في مواجهة قضاء لا يرحم.