بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
شهدت الساحة المغربية في الأسابيع الأخيرة ظاهرة استثنائية حملت بصمة الشاب عبد الإله الشلوخي، الذي استطاع عبر منصات التواصل الاجتماعي أن يحوّل نشاطه التجاري في بيع الأسماك إلى ما يشبه “ثورة اقتصادية مصغّرة”. من خلال تسقيف أرباحه وبيع السمك بأسعار عادلة، كشف الشلوخي عن آليات السوق التقليدية، وسلّط الضوء على دور الوسطاء في ارتفاع الأسعار، مما جعله محط اهتمام واسع في الأوساط الشعبية والإعلامية.
لقد جاءت مبادرة الشلوخي كرد فعل عملي على اختلالات السوق التي تعاني من المضاربة وغياب الشفافية، حيث لجأ إلى توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لنقل تجربته مباشرة إلى الجمهور. وإذا أردنا فهم هذه الظاهرة من منظور اقتصادي، فإنها تعكس ديناميكيات نظرية العرض والطلب، حيث يحدد سعر السلع وفقًا لتفاعل هاتين القوتين. غير أن تدخّل الوسطاء يؤدي إلى رفع الأسعار، وهو ما حاول الشلوخي تجاوزه من خلال تقليص عدد حلقات التوزيع، مما مكّنه من تقديم أسعار أكثر عدالة للمستهلكين.
لكن ما يجعل هذه التجربة أكثر إثارة للاهتمام هو إمكانية تفسيرها أيضًا من خلال مدرسة الاقتصاد السلوكي، التي تجمع بين الاقتصاد وعلم النفس لفهم كيفية اتخاذ الأفراد قراراتهم المالية والاستهلاكية. يرى علماء الاقتصاد السلوكي، مثل دانيال كانيمان وريتشارد ثالر، أن سلوك المستهلك لا تحكمه فقط المعادلات الاقتصادية الكلاسيكية، بل تلعب العوامل النفسية والاجتماعية دورًا حاسمًا في قرارات الشراء.
في حالة الشلوخي، نجح هذا الأخير في إعادة توجيه سلوك المستهلكين عبر التأثير العاطفي والنفسي، حيث وظّف البث المباشر، ولغة التواصل البسيطة، والشفافية في الأسعار، مما عزّز شعور الثقة لديه وعزّز رغبة المستهلكين في دعمه. إضافة إلى ذلك، فإن استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي خلق حالة من الحشد الجماهيري الرقمي، حيث تحوّل المستهلكون إلى داعمين ومروجين لمبادرته، ليس فقط بسبب المنفعة الاقتصادية، ولكن أيضًا بدافع الانخراط في تجربة يعتبرونها مقاومة لجشع الوسطاء.
لكن لفهم أعمق للأثر الاجتماعي لهذه الظاهرة، يمكن الرجوع إلى نظرية الصراع الاجتماعي لكارل ماركس، التي ترى أن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية تنبع من صراع دائم بين الطبقات. هنا، يمكن اعتبار مبادرة الشلوخي نوعًا من المقاومة الناعمة ضد منظومة السوق التقليدية، حيث حاول تجاوز الحلقة الاحتكارية للوسطاء، التي تمثل مصالح فئة معينة على حساب المستهلكين من الطبقات الشعبية.
لقد أثارت هذه التجربة تساؤلات جوهرية حول دور الدولة والمؤسسات الاقتصادية. فإذا كان شاب بمفرده قادرًا على إحداث تغيير فوري، فلماذا تعجز المؤسسات الرسمية عن القيام بإصلاحات مماثلة؟ ولماذا يحتاج المواطنون إلى مبادرات فردية لضمان حقوقهم الاقتصادية الأساسية؟ هذا الوضع يطرح إشكالية أكبر تتعلق بمدى فعالية السياسات الاقتصادية الرسمية، ومدى قدرتها على الاستجابة لحاجيات المواطنين في ظل اقتصاد يخضع، في كثير من الأحيان، لمصالح قلة متحكمة في السوق.
لكن رغم نجاح تجربة الشلوخي في تحريك المياه الراكدة، فإنها تبقى تجربة فردية مرهونة بظروفها، وتثير أسئلة أعمق حول مستقبل العدالة الاقتصادية. فهل يمكن تعميم هذا النموذج ليشمل قطاعات أخرى مثل اللحوم، التعليم، الصحة، والسكن؟ وهل يمكن لاقتصاد قائم على “التكبيسات” و”التفاعل الرقمي” أن يكون بديلًا حقيقيًا لمنظومة اقتصادية قائمة على المؤسسات والسياسات العمومية؟
خلاصة ، تعكس هذه التجربة تحولات عميقة في بنية المجتمع المغربي، حيث تتراجع ثقة المواطنين في المؤسسات التقليدية، مقابل بروز أنماط جديدة من التأثير والتغيير ترتكز على الإعلام الرقمي والمبادرات الفردية. لكن بين الحماسة لهذا النموذج والقلق من تداعياته، يظل السؤال المطروح: هل نحن أمام بداية تحوّل اقتصادي واجتماعي طويل الأمد، أم أنها مجرد موجة ستخبو كما ظهرت، تاركة فراغًا قد يكون من الصعب ملؤه؟