ما إن تبدأ أولى قطرات المطر في السقوط، حتى تتغير معالم المدن، وتتحول الشوارع إلى أنهار، والأزقة إلى مستنقعات. المواطنون يجدون أنفسهم محاصرين وسط الفوضى، والسيارات تتعطل وسط المياه، فيما تغمر السيول المنازل والمتاجر. المشهد نفسه يتكرر كل عام، وكأن الجهات المسؤولة لم تكن تعلم أن موسم الأمطار قادم، أو كأنها تفاجأت به لأول مرة.
السبب الرئيسي وراء هذه الكارثة المتكررة ليس المطر في حد ذاته، بل البنية التحتية الهشة وسوء التخطيط. في المدن الحديثة، تمثل شبكات تصريف المياه عاملاً أساسيًا في تجنب الفيضانات، لكن في العديد من المدن، تبدو هذه الشبكات شبه غائبة، أو غير مهيأة لاستيعاب كميات كبيرة من المياه. البالوعات غالبًا ما تكون مسدودة بسبب الإهمال وعدم الصيانة، مما يؤدي إلى تجمع المياه في الطرقات والمناطق السكنية.
رغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة، فإن ردود فعل الجهات المعنية تبقى تقليدية ومتأخرة. في كل موسم، تعود نفس الأعذار: “كمية الأمطار كانت غير متوقعة”، “تم اتخاذ جميع التدابير”، “الأمور تحت السيطرة”، بينما الواقع يكذب كل هذه التصريحات. المنتخبون الذين كانوا يتنافسون على كسب الأصوات خلال الانتخابات، يختفون عند أول أزمة، تاركين المواطن يواجه الأضرار وحده. الشركات المفوض لها تدبير الصيانة لا تحرك ساكنًا إلا بعد وقوع الكارثة، وعندها يكون الأوان قد فات.
عندما تغمر المياه المحلات التجارية، من يعوض أصحابها؟ عندما تتعطل السيارات بسبب الفيضانات، من يتحمل مسؤولية الأضرار؟ عندما يجد المواطن نفسه مضطرًا للقفز فوق البرك المائية أو البحث عن طرق بديلة للوصول إلى عمله، من يتحمل هذا التقصير؟ للأسف، في كل مرة يدفع المواطن وحده ثمن هذا الإهمال، دون أي تعويض أو حتى اعتذار.
هذا السيناريو سيتكرر مجددًا في المستقبل، إذا لم يتم اتخاذ إجراءات حقيقية وجادة. الحلول موجودة، لكنها تتطلب إرادة حقيقية وشفافية في التدبير. يجب وضع خطط واضحة لصيانة البنية التحتية، وتنظيف قنوات الصرف بانتظام، وإنشاء شبكات تصريف حديثة تستوعب كميات أكبر من المياه. كما يجب تحميل المسؤولين عن هذا الإهمال مسؤولياتهم، ومحاسبة كل من يقصر في أداء واجبه.
المطر رحمة من الله، لكن في ظل سوء التدبير والإهمال، يتحول إلى نقمة. السؤال الذي يظل مطروحًا: هل سنرى تغييرًا حقيقيًا، أم أننا سنبقى ندور في نفس الدائرة المغلقة، ننتظر المطر ليكشف لنا كل مرة حجم الفشل؟