بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام الجبائي المغربي، وتنامي دور الإدارة الضريبية في تتبع ومراقبة التصريحات، يبرز إشكال عملي دقيق يهم موقع المحاسب أثناء عمليات الافتحاص الضريبي، خاصة حين يتم استدعاؤه أو إشراكه بشكل مباشر في مناقشة وضعية المقاولة. هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى مشروعية هذا الإجراء، وحدوده القانونية، وانعكاساته المهنية، في ظل تداخل الأدوار بين الفاعلين الاقتصاديين، وغياب نص صريح ينظم هذه العلاقة الثلاثية المعقدة بين الإدارة الضريبية، والمسير، والمحاسب.
إن الإطار القانوني المنظم للمراقبة الضريبية في المغرب، كما ورد في المدونة العامة للضرائب المغربية، يحدد بوضوح أن المخاطب الرئيسي للإدارة هو الملزم بالضريبة، سواء كان شخصاً ذاتياً أو معنوياً، ممثلاً في شخص مسيره القانوني. ويترتب عن ذلك أن العلاقة القانونية في مسطرة الافتحاص هي علاقة ثنائية في جوهرها، تقوم على أساس المواجهة بين الإدارة والملزم، مع ضمان حقوق هذا الأخير في الدفاع والتوضيح وتقديم الوثائق. غير أن الممارسة الإدارية، في كثير من الحالات، تتجاوز هذا الإطار النظري، لتستدعي المحاسب أو تطلب حضوره باعتباره ممسكاً بالمحاسبة أو معداً للتصريحات، وهو ما يخلق نوعاً من التوسع في تفسير النص القانوني دون سند صريح.
من الناحية القانونية البحتة، لا يوجد أي مقتضى يلزم المحاسب بالحضور أثناء الافتحاص، ولا يمنح للإدارة سلطة استدعائه بصفة إلزامية، إلا في حالات استثنائية مرتبطة بإثبات أفعال قد تكتسي طابعاً تدليسياً أو جنائياً، حيث يمكن حينها اعتباره طرفاً في النزاع وليس مجرد مستشار. أما في غير ذلك، فإن حضوره يظل اختيارياً، يتم إما بطلب من المسير لتعزيز موقفه التقني، أو بمبادرة منه لتوضيح بعض الجوانب المحاسبية التي قد تكون محل لبس أو تأويل.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود المشروعية القانونية، بل يمتد إلى مستوى الممارسة المهنية، حيث يتحول المحاسب في بعض الأحيان إلى عنصر ضغط غير مباشر، يتم توظيفه لإقناع المسير بقبول ملاحظات الإدارة أو التسوية المقترحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بفوارق ضريبية ناتجة عن تأويلات محاسبية أو تقديرات جزافية. وفي هذا السياق، يجد المحاسب نفسه في وضعية دقيقة، بين واجب الحفاظ على استقلاليته المهنية، وضرورة الحفاظ على علاقة الثقة مع زبونه، مما قد يؤدي إلى تضارب في الأدوار وتداخل في المسؤوليات.
إن تحميل المحاسب مسؤولية اختلالات ناتجة عن سوء تدبير مالي أو قرارات تسييرية لا علم له بها، يشكل انزلاقاً خطيراً في التكييف القانوني، ويمس بمبدأ شخصية المسؤولية، الذي يقتضي أن يتحمل كل طرف تبعات أفعاله في حدود اختصاصه. فالمحاسب، بحكم طبيعته المهنية، يتدخل في إطار تقني يقتصر على تسجيل العمليات وتقديم المعطيات وفق الوثائق المتوفرة، ولا يمكن تحميله مسؤولية إخفاء مداخيل أو اتخاذ قرارات مالية لم يكن طرفاً فيها.
من زاوية اقتصادية، يعكس هذا الوضع خللاً في توازن العلاقة بين الفاعلين، حيث تتحول المراقبة الضريبية من أداة لضمان الامتثال والعدالة الجبائية، إلى وسيلة قد تُستعمل أحياناً لإعادة تشكيل مراكز القوى داخل المقاولة، عبر الضغط على المسير من خلال مستشاريه. وهذا يتعارض مع مبادئ الحكامة الجيدة التي تقوم على الشفافية، وتحديد المسؤوليات، واحترام استقلالية المهن المنظمة.
أما من الناحية القانونية المقارنة، فإن الأنظمة المتقدمة تميز بوضوح بين دور المحاسب كمستشار تقني، ودور الممثل القانوني للملزم، وتمنع أي خلط قد يؤدي إلى تحميله مسؤوليات خارج نطاق تعاقده. كما تكرس مبدأ “الأمن القانوني” الذي يقتضي وضوح القواعد واستقرارها، وعدم ترك المجال لممارسات إدارية قد تخلق حالة من عدم اليقين لدى الفاعلين الاقتصاديين.
وعليه، فإن ما يجري في الواقع المغربي يمكن اعتباره عرفاً إدارياً يهدف إلى تسهيل مسطرة الافتحاص، لكنه لا يرقى إلى مرتبة القاعدة القانونية الملزمة، ولا يمكن فرضه على المحاسب دون رضاه أو دون تكليف صريح من طرف موكله. بل إن الحذر المهني يقتضي من المحاسب تحديد نطاق تدخله بدقة، وتفادي أي انخراط في مسارات تفاوضية أو تقديرية قد تُفهم على أنها اصطفاف مع طرف دون آخر.
إن تكريس توازن حقيقي في العلاقة بين الإدارة الضريبية والمقاولة يمر عبر احترام الاختصاصات، وتوضيح الأدوار، وتعزيز الإطار القانوني المنظم للمهن المحاسبية، بما يضمن حماية المحاسب من أي توظيف خارج نطاق مهامه، ويصون في الوقت ذاته حقوق الملزم في الدفاع عن مصالحه في إطار من الشفافية والعدالة.