مجتمع

الإشهار الكاذب.. خداع بصري يستنزف جيوب المستهلكين

عثمان منجي الدين · 7‏/3‏/2025

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

أصبح الإعلان جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، فهو الوسيلة التي تستخدمها الشركات لجذب انتباه المستهلكين وتعريفهم بالمنتجات والخدمات. لكن في ظل التنافس الشديد والرغبة في تحقيق أعلى الأرباح، انتشرت ظاهرة “الإشهار الكاذب”، وهي ممارسة تسويقية غير أخلاقية تهدف إلى التلاعب بالمستهلكين عبر تقديم معلومات مضللة أو مبالغ فيها عن المنتجات والخدمات.

الإشهار الكاذب ليس مجرد خدعة تجارية، بل هو سلوك يؤثر سلبًا على الاقتصاد والثقة العامة في الأسواق. وفقًا لدراسة نشرتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) عام 2021، فإن الإعلانات المضللة تكبد المستهلكين حول العالم خسائر تتجاوز 500 مليار دولار سنويًا، بسبب شراء منتجات لا تتوافق مع المواصفات المعلن عنها أو بسبب خدمات لا تحقق وعودها.

في المغرب، لم يكن السوق بمنأى عن هذه الظاهرة، حيث رصدت السلطات المختصة في عام 2018 أكثر من 250 مخالفة متعلقة بالإشهار الكاذب في مواقع التجارة الإلكترونية، شملت عروضًا ترويجية زائفة، واستخدام صور لا تعكس حقيقة المنتجات، والتلاعب بالمواصفات لجذب المشترين. ورغم الجهود المبذولة من طرف جمعيات حماية المستهلك والهيئات الرقابية، فإن هذه الممارسات لا تزال تُمارَس بأشكال مختلفة، مما يجعل توعية المستهلكين ضرورة ملحّة.

لحماية المستهلك المغربي من هذه الظاهرة، ينظم القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك هذا المجال، حيث تنص المادة 21 منه على حظر أي إشهار يتضمن معلومات كاذبة أو قد تؤدي إلى تضليل المستهلك، سواء تعلق الأمر بطبيعة المنتج، خصائصه، سعره، شروط بيعه، أو الضمانات المقدمة. كما تحدد المادة 115 العقوبات المفروضة على المعلنين الذين يروجون لمعلومات مضللة، حيث تتراوح الغرامات بين 5.000 درهم و250.000 درهم، مع إمكانية مضاعفة العقوبة في حال تكرار المخالفة. في بعض الحالات، يمكن أن تصل العقوبة إلى السجن من شهر إلى خمس سنوات، خصوصًا إذا أدى الإشهار الكاذب إلى أضرار جسيمة بالمستهلكين.

يلعب مجلس المنافسة المغربي دورًا مهمًا في مراقبة الممارسات غير المشروعة في السوق، بما في ذلك الإشهار الكاذب. كما أن الجامعة المغربية لحقوق المستهلك وجمعيات أخرى تعمل على رصد هذه الظاهرة، وتقديم شكاوى للجهات المختصة عند رصد أي خروقات. ومع انتشار الإعلانات عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح من الضروري تعزيز الرقابة على هذا النوع من الإشهار. في عام 2018، أصدر مجلس المنافسة المغربي توصيات تدعو إلى تنظيم أكثر صرامة للإعلانات الرقمية، خصوصًا تلك التي يتم الترويج لها عبر المؤثرين على مواقع التواصل.

تاريخيًا، سعت عدة دول إلى تقنين الإعلانات التجارية وحماية المستهلكين. ففي الولايات المتحدة، أُنشِئت لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) عام 1914 لضبط الممارسات الإعلانية الخادعة، وهي تمتلك اليوم صلاحية فرض غرامات تصل إلى 43 ألف دولار لكل إعلان مضلل يتم الترويج له. أما في فرنسا، فيُفرض على الشركات المعلنة تقديم أدلة تثبت صحة ادعاءاتها، وإلا تعرضت لعقوبات قانونية قد تصل إلى 300 ألف يورو كغرامات مالية، بالإضافة إلى عقوبات أخرى مثل الحظر المؤقت للإعلان أو حتى الإيقاف الدائم للحملات الإعلانية المخالفة. وفي الإمارات العربية المتحدة، يفرض قانون حماية المستهلك لعام 2020 عقوبات صارمة على الشركات التي تروج لإعلانات زائفة، تصل إلى مليون درهم إماراتي كغرامة، مع إمكانية تعليق نشاط الشركة المخالفة.

انتشار الإشهار الكاذب يُغذّيه التطور السريع لمنصات التواصل الاجتماعي، حيث يسهل نشر الإعلانات دون رقابة كافية. وفقًا لدراسة نشرتها جامعة MIT في مارس 2018، فإن الأخبار الكاذبة، بما في ذلك الإعلانات المضللة، تنتشر بمعدل 70% أسرع من الأخبار الحقيقية، مما يجعل مكافحتها تحديًا كبيرًا.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن تفسير تأثير الإشهار الكاذب من خلال نظرية المعلومات غير المتكافئة (Asymmetric Information Theory)، التي طرحها الاقتصادي جورج أكرلوف في بحثه الشهير “سوق الليمون” عام 1970. تنص هذه النظرية على أن البائعين يمتلكون معلومات أكثر من المشترين، مما يؤدي إلى خلل في السوق. في سياق الإعلانات، يقوم المعلنون بإخفاء العيوب أو المبالغة في مزايا المنتج، مما يدفع المستهلكين لاتخاذ قرارات غير رشيدة تؤدي إلى خسائر مالية، وفي بعض الأحيان، إلى ضرر صحي أو اجتماعي. عندما يفقد المستهلكون الثقة في الإعلانات، يصبح السوق غير فعال، مما يضر بالمنافسة العادلة ويؤدي إلى انتشار المنتجات والخدمات الرديئة.

أما من الناحية الاجتماعية، فيمكن تفسير تأثير الإشهار الكاذب من خلال نظرية الغرس الثقافي (Cultivation Theory)، التي قدمها الباحث جورج جربنر في السبعينيات. تفترض هذه النظرية أن وسائل الإعلام، بما في ذلك الإعلانات، تلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل تصورات الأفراد حول الواقع. عندما يتعرض المستهلكون بشكل متكرر لإعلانات تقدم صورة مثالية وغير واقعية عن المنتجات والخدمات، فإنهم يبدأون في تبني توقعات غير منطقية، مما يؤثر على قراراتهم الشرائية وسلوكهم الاجتماعي. هذه الظاهرة تساهم في خلق ثقافة استهلاكية مبنية على الوهم بدلاً من الاحتياجات الحقيقية، وتؤدي إلى مشاكل اجتماعية مثل الديون والاستهلاك المفرط.

لمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من تعزيز الوعي لدى المستهلكين، وتكثيف حملات التثقيف الإعلامي، وتشديد القوانين الخاصة بالإعلانات التجارية. كما يجب على الشركات إدراك أن بناء علاقة ثقة مع المستهلك أكثر أهمية على المدى البعيد من تحقيق أرباح سريعة بوسائل غير نزيهة.
وإن مكافحة الإشهار الكاذب مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود المستهلكين، الجهات التنظيمية، والشركات نفسها، لضمان سوق عادلة وشفافة تحمي حقوق الجميع. فالمستهلك الواعي هو خط الدفاع الأول ضد هذه الممارسات، والشفافية هي السبيل الوحيد لتعزيز ثقة الجمهور في السوق.