مال وأعمال

إصلاح المنظومة الجبائية في المغرب بين 2023 و2026: نحو هندسة ضريبية جديدة في ظل القانون الإطار 19-69

عثمان منجي الدين · 30‏/4‏/2026

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

يشهد المشهد الضريبي المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة ومتسارعة تعكس إرادة الدولة في إعادة هيكلة النظام الجبائي على أسس أكثر عدالة ونجاعة وشفافية، حيث لم تعد التعديلات تقتصر على إجراءات جزئية أو تصحيحات تقنية، بل أصبحت إصلاحات هيكلية شاملة تمس مختلف مكونات المنظومة الضريبية، وهو ما يفسر حجم التغييرات السنوية وتضخم المذكرات التفسيرية وتعقيد المساطر، الأمر الذي وضع الفاعلين الاقتصاديين، خاصة المحاسبين والخبراء، أمام تحدي التكيف المستمر مع قواعد متحركة، في سياق يشبه إلى حد بعيد “اقتصاد عدم اليقين الضريبي” الذي يتطلب يقظة قانونية ومحاسبية دائمة.

إن المرجعية الأساسية لهذه التحولات تعود إلى القانون الإطار رقم 19-69 المتعلق بالإصلاح الجبائي، والذي تم اعتماده سنة 2021 كخارطة طريق استراتيجية لإعادة بناء النظام الضريبي المغربي وفق رؤية تمتد على المدى المتوسط، وترتكز على مبادئ العدالة الضريبية، وتوسيع الوعاء، وتحسين الامتثال، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وقد تم تنزيل هذا القانون الإطار عبر قوانين مالية متتالية منذ 2023، في إطار إصلاح تدريجي ومدروس لتفادي الصدمات الاقتصادية وضمان الاستقرار المالي.

وفي هذا السياق، برز إصلاح الضريبة على الشركات كأحد أبرز محاور التحول، حيث تم الانتقال من نظام متعدد الأسعار إلى نموذج شبه موحد يستهدف تحقيق العدالة بين المقاولات وتقليص الفوارق الضريبية، إذ أصبح السعر المرجعي في حدود 20% بالنسبة لغالبية الشركات، مع الحفاظ على معدلات أعلى للشركات الكبرى التي تحقق أرباحًا مرتفعة (35%)، وكذا المؤسسات المالية (40%)، وهو توجه يعكس منطق “القدرة التكليفية” ويعزز مبدأ التضامن الضريبي، كما تم إدراج تخفيض تدريجي في معدل الضريبة على توزيعات الأرباح (dividendes) في أفق تشجيع الاستثمار وإعادة توجيه الأرباح نحو تمويل الاقتصاد الحقيقي.

أما فيما يتعلق بالضريبة على القيمة المضافة، فقد شكل إصلاحها نقلة نوعية تهدف إلى تكريس مبدأ الحياد الضريبي، الذي يعد من المبادئ الأساسية في النظرية الضريبية الحديثة، حيث تم تقليص تعددية الأسعار والاتجاه نحو اعتماد سعرين رئيسيين (10% و20%)، وهو ما يسهم في تبسيط النظام وتقليص الاختلالات المرتبطة بسلاسل الإنتاج والتوزيع، كما تم توسيع قائمة الإعفاءات لتشمل مواد أساسية دعماً للقدرة الشرائية، غير أن هذا التوجه يطرح إشكالية التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات الموارد المالية للدولة، خاصة في ظل ارتفاع النفقات العمومية.

وبخصوص الضريبة على الدخل، فقد عرفت بدورها مراجعة جوهرية تروم التخفيف من العبء الجبائي على الأجراء وتعزيز العدالة الاجتماعية، من خلال إعادة هيكلة سلم الضريبة وتوسيع الإعفاءات، خاصة لفائدة المتقاعدين الذين سيتم إعفاؤهم تدريجياً من الضريبة على المعاش الأساسي ابتداءً من سنة 2026، وهو إجراء يعكس البعد الاجتماعي للإصلاح الضريبي ويستجيب لمطالب فئات واسعة من المجتمع، كما ينسجم مع التوجهات الدستورية المتعلقة بالحماية الاجتماعية.

غير أن هذه الإصلاحات، رغم وجاهتها من الناحية النظرية، تطرح تحديات عملية على مستوى التطبيق، خاصة في ظل تعقيد النصوص القانونية وتعدد المذكرات التفسيرية، مما يفرض على الفاعلين الاقتصاديين الاستثمار في التكوين المستمر وتعزيز الحكامة الجبائية داخل المقاولات، كما يطرح إشكال الأمن القانوني والجبائي، الذي يعتبر شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار وتحقيق الثقة بين الإدارة والملزم.

إن ما يعيشه المغرب اليوم ليس مجرد إصلاح ضريبي تقني، بل هو تحول عميق في فلسفة الجباية، ينتقل من منطق التحصيل إلى منطق التحفيز والتنظيم، ومن نظام مبني على الاستثناءات إلى نظام يسعى إلى التوحيد والعدالة، وهو ما يجعل المرحلة الحالية مرحلة انتقالية بامتياز، تتطلب من جميع المتدخلين، من إدارة ومقاولات وخبراء، الانخراط الواعي والمسؤول في إنجاح هذا الورش الاستراتيجي، الذي سيحدد ملامح الاقتصاد المغربي في السنوات القادمة.