مال وأعمال

إصلاح البيئة القانونية والضريبية: مفتاح ضمان استدامة المجتمع المدني إلى تعزيز الاستقلالية المالية للجمعيات

عثمان منجي الدين · 18‏/3‏/2025

بقلم الأستاذ عبد الواحد الحسناوي

يُعتبر المجتمع المدني ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة، حيث يساهم في تعزيز الديمقراطية، تحقيق التنمية، وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين. وتعد الجمعيات الفاعل الرئيسي في هذا المجال، إذ تلعب دورًا مهمًا في تقديم الخدمات الاجتماعية، الدفاع عن الحقوق، وتحقيق التنمية المحلية. غير أن هذه الجمعيات تواجه تحديات عديدة، أبرزها العراقيل القانونية والضريبية، بالإضافة إلى إشكالية التمويل التي تُعيق استدامتها، مما يجعل إصلاح هذه المنظومة ضرورة لضمان استقلاليتها وتعزيز دورها في المجتمع.

شهد قطاع الجمعيات في المغرب نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغ عدد الجمعيات سنة 2019 حوالي 187,834 جمعية، مقارنة بـ44,771 جمعية في سنة 2007، مما يعكس معدل نمو سنوي يقدر بـ12.7٪. هذا التطور يعكس حيوية المجتمع المدني ورغبته في المشاركة الفعّالة في التنمية المجتمعية. إلا أن هذا النمو الكمي لا يواكبه بالضرورة استقرار مالي، حيث أن أغلب الجمعيات تعاني من ضعف مصادر التمويل الداخلي، واعتماد بعضها على الدعم الخارجي، مما يطرح تساؤلات حول استدامة أنشطتها واستقلاليتها.

على المستوى القانوني، رغم أن الفصل 12 من الدستور المغربي يكفل حرية تأسيس الجمعيات، إلا أن الواقع يشير إلى تحديات تعيق ممارستها لأنشطتها. من أبرز هذه التحديات التأخر في تسليم وصولات الإيداع، مما يحرم الجمعيات من ممارسة أنشطتها القانونية أو الحصول على تمويلات، إلى جانب التدخلات الإدارية التي تمس باستقلاليتها، وتعقيدات الحصول على الاعتراف بصفة المنفعة العامة، مما يحدّ من إمكانية استفادتها من الامتيازات القانونية والضريبية. معالجة هذه الإشكالات تستدعي إصلاحًا تشريعيًا يُبسّط إجراءات تسجيل الجمعيات، ويضمن حيادية السلطات الإدارية، ويوفر حماية قانونية لنشاطاتها.

أما على المستوى الضريبي، فإن الجمعيات تُواجه تحديات تمويلية تُؤثر على قدرتها على الاستمرار. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، فإن 96.7٪ من الجمعيات لا تتوفر على محاسبة وفق المعايير المعمول بها، مما قد يعرضها لصعوبات في التعامل مع الجهات الضريبية. كما أن بعض الجمعيات تخضع للضريبة على الشركات رغم طبيعتها غير الربحية، في حين أن الضريبة على القيمة المضافة تُضيف عبئًا ماليًا إضافيًا على أنشطتها. أضف إلى ذلك غياب تحفيزات ضريبية كافية للمتبرعين، مما يُقلل من فرص التمويل الذاتي. ولتجاوز هذه العراقيل، من الضروري اعتماد سياسة ضريبية تحفيزية، تشمل إعفاء الجمعيات ذات الطابع الخيري أو التنموي من الضرائب غير المبررة، وتوسيع نطاق الامتيازات الضريبية للمانحين والمتبرعين، وتحديث القوانين المالية لضمان شفافية التمويل دون فرض قيود تعسفية.

وبالإضافة إلى المشاكل القانونية والضريبية، يُواجه المجتمع المدني تحديًا رئيسيًا يتمثل في نموذج التمويل المعتمد. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، فإن 57٪ من الجمعيات تعتمد على التمويلات العمومية، بينما لا تتجاوز نسبة الجمعيات التي تتلقى دعماً خارجياً 10٪. وعلى الرغم من أن التمويل الخارجي قد يوفّر موارد مالية مهمة، إلا أنه قد يكون مشروطًا أو غير مستدام، مما يفرض ضرورة البحث عن نموذج جديد للتمويل يُعزّز الاستقلالية المالية للجمعيات، ويُمكّنها من مواصلة أنشطتها دون ارتهان لدعم خارجي.

لتعزيز الاستقلالية المالية للجمعيات، يجب التركيز على ثلاثة محاور رئيسية. أولًا، تطوير آليات التمويل الذاتي عبر إطلاق مشاريع مدرة للدخل، حيث يمكن للجمعيات استثمار جزء من مواردها في أنشطة اقتصادية تُدر أرباحًا تُعاد توظيفها في برامجها الاجتماعية. ثانيًا، تعزيز ثقافة التبرع والعمل الخيري داخل المجتمع، من خلال توفير حوافز ضريبية للمانحين والمساهمين، مما يُشجّع القطاع الخاص والمواطنين على دعم الجمعيات بانتظام. وثالثًا، تفعيل الشراكات مع القطاع الخاص في إطار المسؤولية الاجتماعية للمقاولات، مما يُتيح تمويلًا مستدامًا دون المساس باستقلالية الجمعيات.
لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون إشراك الجمعيات في صياغة السياسات العامة، حيث أن 72.6٪ من الجمعيات تقدم خدماتها للساكنة المحلية على صعيد الحي أو الدوار أو الجماعة، مما يعكس دورها المحوري في تلبية احتياجات المجتمع. ولتعزيز هذا الدور، يجب تمكين الجمعيات من لعب دور استشاري في إعداد القوانين والتشريعات، وإدماجها في تنفيذ برامج اجتماعية وتنموية بشراكة مع الدولة والقطاع الخاص، وتعزيز الرقابة المستقلة على أنشطتها لضمان النزاهة والشفافية.
إن إصلاح البيئة القانونية والضريبية للجمعيات بالمغرب، إلى جانب تبني نموذج تمويل جديد يُركّز على الاستقلالية المالية، ليس مجرد مطلب قطاعي، بل هو ضرورة لضمان استدامة المجتمع المدني وتعزيز أدواره التنموية والحقوقية. ومن هذا المنطلق، فإن الدولة مطالبة بتوفير إطار قانوني وضريبي ملائم، يدعم الجمعيات بدل أن يُعيقها، ويجعل منها شريكًا حقيقيًا في تحقيق التنمية الشاملة.