بقلم:الاستاذ سليماني مولاي عبد الله
في عالم الأعمال اليوم، أصبحت كل مهنة تقريبًا خاضعة لسلسلة من المعايير، وضعت في الغالب بنوايا حسنة، تهدف إلى ضمان الجودة، والسلامة، والشفافية. غير أن هذه المعايير، على كثرتها وتنوعها، بدأت تشكل ما يمكن اعتباره “تضخمًا معياريًا”، يُثقل كاهل الفاعلين الاقتصاديين ويطرح تساؤلات جدية حول جدواها الحقيقية.
ففي الوقت الذي يُفترض أن تُسهم المعايير في تنظيم العمل وتحسين المردودية، فإنها أصبحت، في بعض القطاعات، مصدراً لتعقيد الإجراءات وارتفاع التكاليف، بل وقد تؤثر سلبًا على القيمة المضافة. المهنة المحاسبية وتحديداً مهنة المراقب القانوني (Commissaire aux comptes)، تمثل نموذجًا صارخًا لهذا الواقع. فبعد أن كانت تستند إلى نموذج راسخ وفعّال، أصبحت اليوم عرضة لإعادة النظر بسبب تشديد المتطلبات وزيادة أعباء الامتثال.
فهل نحن بصدد التضحية بالكفاءة والثقة مقابل المزيد من التنظيم المفرط؟
من المؤكد أن تعزيز الشفافية والرقابة أمر ضروري، خاصة في سياق عالمي يتطلب مزيداً من المصداقية والحكامة الجيدة. ولكن، أليس من الأفضل بدل التكديس المستمر للضوابط أن نعيد توجيه جهودنا نحو مقاربات أكثر واقعية وبراغماتية؟ هل يمكننا التفكير في نماذج معيارية أكثر مرونة، تُراعي حجم المقاولات، وخصوصيات القطاعات، والسياق المغربي؟
إن التحدي المطروح اليوم أمام السلطات التنظيمية والمهنيين في المغرب، هو إيجاد توازن ذكي بين الحاجة إلى التنظيم وضمان حرية المبادرة وفعالية الأداء. فالإصلاحات التي لا تواكبها رؤية استراتيجية تراعي الميدان قد تتحول إلى عائق بدل أن تكون رافعة للتنمية.
موجز وباختصار، نحن بحاجة إلى نقاش وطني مفتوح ومسؤول حول السياسة المعيارية في بلادنا، يشارك فيه الخبراء، والممارسون، وصناع القرار، من أجل بناء منظومة تنظيمية تواكب الطموحات وتخدم الاقتصاد الوطني بدل أن تعرقله.